أخبارأخبار وطنيةمقالات

حين تتحول المشاركة في السلطة إلى معارضة شكلية


بقلم : بيري محمدو :
عضو الشبكة الاوروعربية للصحافة والسياحة

في التجارب الديمقراطية يُفترض أن تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولياتها كاملة حين تختار الانخراط في العمل الحكومي، إذ لا يمكن الجمع بين موقع القرار وموقع الاحتجاج في آن واحد دون الوقوع في تناقض يضر بالمصداقية.
غير أن بعض الممارسات السياسية تكشف عن نزعة متنامية نحو ما يمكن تسميته بـ“المعارضة المريحة” حيث يسعى الفاعل الحزبي إلى الاستفادة من امتيازات السلطة، مع الاحتفاظ بخطاب نقدي موجّه للرأي العام.
هذا السلوك يطرح إشكالاً عميقاً يتعلق بوضوح المواقع السياسية. فحين ينتقد حزب سياسات عمومية وهو جزء من آلية اتخاذ القرار، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدية هذا النقد، وحدوده وأهدافه الحقيقية.
هل نحن أمام مراجعة ذاتية صادقة، أم مجرد محاولة لإعادة التموضع استعداداً للاستحقاقات المقبلة؟
إن العمل الحكومي لا يُقاس فقط بالتصريحات والبلاغات، بل بمدى القدرة على التأثير الفعلي في السياسات العمومية وتحمل تبعاتها. ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب نقدي يصدر من داخل الأغلبية يجب أن يكون مقروناً بمواقف عملية واضحة كالمساءلة الداخلية أو الدفع نحو تصحيح الاختلالات من داخل المؤسسات، لا الاكتفاء بإلقاء اللوم بطريقة توحي بالتنصل من المسؤولية.
كما أن الخطاب السياسي المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية يكتسي حساسية خاصة، لأنه يؤثر بشكل مباشر على ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية.
وعندما يتم التلميح إلى نتائج محسومة أو تقديم إشارات توحي بوجود دعم غير معلن، فإن ذلك يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، ويغذي الشكوك حول نزاهة المسار الانتخابي، وهو أمر يتطلب وضوحاً ومسؤولية أكبر من قبل جميع الفاعلين.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في كسب نقاط ظرفية في معركة التواصل، بل في استعادة ثقة المواطن، التي لا تُبنى إلا عبر وضوح المواقف، وربط المسؤولية بالمحاسبة والابتعاد عن الخطابات المزدوجة التي تضعف الفعل السياسي بدل أن تعززه.
في النهاية تبقى صناديق الاقتراع هي الفيصل الحقيقي، لكنها لا تكون ذات معنى إلا إذا سبقتها ممارسات سياسية نزيهة وخطاب صادق يحترم وعي المواطن ويعكس التزاماً حقيقياً بخدمة الصالح العام، لا مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل نفس المشهد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى