حريش الحسين.. من قوة الكلمة إلى معركة المقعد البرلماني بإقليم آسا الزاك

بقلم : محمد حمو
في إقليم آسا الزاك، حيث تتقاطع الحسابات الانتخابية مع ثقل القبيلة، وحيث لا تكفي أحيانا صناديق الاقتراع وحدها لصناعة النفوذ، برز اسم حريش الحسين خلال السنوات الأخيرة كواحد من الأسماء التي فرضت نفسها في المشهد السياسي والاجتماعي، لا بالمال ولا بالجاه، وإنما بقوة الكلمة، وحضور الميدان، والقدرة على الترافع عن القضايا التي يعتبرها جزء من ساكنة الإقليم قضايا مصيرية.
الحسين حريش ليس اسما وليد اللحظة. فقد سبق له أن حمل صفة البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، وخاض من داخل المؤسسة التشريعية معارك للترافع عن إقليم آسا الزاك وعن قضايا كسابة آيتوسى، خصوصا في ظل المشاكل التي واجهها هؤلاء بمنطقة تيرس بإقليم الداخلة.
ومنذ تلك المرحلة، بدأ الرجل يبني لنفسه صورة سياسية مختلفة؛ صورة البرلماني الذي يرفع صوته، ويشتبك مع الملفات، ولا يكتفي بالحضور البروتوكولي داخل المؤسسة التشريعية.
لكن الانتخابات الماضية كانت محطة مفصلية في مساره السياسي.
فقد ترشح حريش الحسين للعودة إلى البرلمان عن إقليم آسا الزاك، وحقق نتيجة انتخابية قوية، وحصل على تعاطف واضح من فئات واسعة من الساكنة، غير أن ذلك لم يكن كافيا، في نهاية المطاف، لانتزاع المقعد البرلماني.
وفي أوساط مؤيديه، ظل الاعتقاد راسخا بأن الرجل تعرض لحصار انتخابي وسياسي من جهات لم تكن ترغب في عودته إلى البرلمان، وأن عوامل متعددة تدخلت للحيلولة دون تحويل ذلك الرصيد الانتخابي والشعبي إلى مقعد داخل قبة البرلمان.
وسواء اتفق المرء مع هذه القراءة أو اختلف معها، فإن الثابت أن حريش خرج من تلك الانتخابات بخسارة المقعد، لكنه لم يخرج من المشهد.
بل حدث العكس تماما.
من البرلمان إلى الميدان.. معركة الأرض
بعد الانتخابات، وجد حريش نفسه في قلب واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لجزء واسع من قبائل آيتوسى، والمتعلق بالدفاع عن الأرض والحقوق المرتبطة بها.
وفي خضم الحراك الذي عرفته المنطقة، كان اسمه حاضرا بقوة، وكان من أبرز الأصوات التي رفعت شعار «أرض آيتوسى خط أحمر»، متقدما الصفوف في الدفاع عن هذا المطلب.
هناك، لم يعد حريش مجرد سياسي سابق أو مرشح انتخابي؛ بل أصبح بالنسبة إلى أنصاره واحدا من الأصوات التي اختارت أن تكون في الميدان، وأن تتحدث بلهجة حادة عندما يتعلق الأمر بما يعتبرونه قضية أرض وحقوق وكرامة.
وهنا تحديدا توسع رصيده الشعبي.
فالرجل الذي كان معروفاً داخل المؤسسات السياسية أصبح أكثر حضورا خارجها، وكسب تعاطف شرائح من الساكنة، من الكبار إلى الشباب، بعدما ربط اسمه بملف يعتبره كثيرون من أبناء المنطقة قضية وجود وليست مجرد ورقة انتخابية.
العودة بلون «الحمامة».. والاختبار الأصعب
اليوم، يعود حريش الحسين إلى السباق الانتخابي من جديد، لكن هذه المرة تحت لون حزب التجمع الوطني للأحرار.
عودة لا تبدو عادية، خصوصا أن الرجل يدخل المعركة وهو يحمل تجربة انتخابية سابقة، ورصيدا من الترافع السياسي، وحضورا اكتسبه خلال حراك آيتوسى، وفي المقابل يواجه خصوما يعرفون جيدا حجم تأثيره وقدرته على تحريك النقاش العام.
ومع إعلان ترشحه، عادت أيضا الحملات المضادة، وبدأت أصوات التشهير والهجوم في الظهور من جديد، وفق ما يعتبره أنصاره امتدادا للمعركة التي خاضها في الانتخابات الماضية.
لكن السؤال هذه المرة ليس فقط: كم سيحصل حريش الحسين من الأصوات؟
السؤال الأكبر هو: هل استطاع الرجل خلال السنوات الماضية أن يحول التعاطف الشعبي إلى قوة انتخابية حقيقية قادرة على صناعة المقعد؟
هل تغيّر المعادلة هذه المرة؟
السياسة الانتخابية لا تبنى فقط على الشعبية، كما أن التعاطف لا يتحول دائما إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
وهنا تكمن صعوبة معركة حريش.
فهو يدخل الانتخابات محملا برصيد من المواقف، لكنه يواجه أيضا شبكة من المصالح والحسابات والتحالفات التي تجعل الطريق إلى البرلمان أكثر تعقيدا مما يبدو في الخطاب السياسي.
وفي المقابل، فإن ما يميز هذه العودة هو أن حريش لم يعد ذلك المرشح الذي يخوض الانتخابات اعتمادا فقط على تجربة برلمانية سابقة؛ فقد راكم خلال الفترة الأخيرة حضورا ميدانيا، وأصبح اسمه مرتبطا بملف الأرض وبحراك آيتوسى، وهي ورقة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهل وزنها في أي قراءة انتخابية بإقليم آسا الزاك.
هل سيكون المقعد البرلماني اختبارا لحراك آيتوسى؟
هنا تطرح المسألة سؤالاً أكثر حساسية:
هل أصبح المقعد البرلماني امتدادا انتخابيا لحراك آيتوسى، أم أن الحراك سيظل مستقلا عن الحسابات الانتخابية؟
أنصار حريش يرون أن الرجل أثبت، من خلال مواقفه، أنه كان في مقدمة المدافعين عن الأرض، وأن وصوله إلى البرلمان قد يمنح هذه الملفات صوتا أقوى داخل المؤسسة التشريعية.
أما خصومه فقد يرون في محاولة ربط الحراك بالمقعد الانتخابي توظيفا سياسيا لقضية اجتماعية وقبلية تتجاوز الأشخاص والأحزاب.
وبين القراءتين، يبقى الفيصل هو موقف الناخب.
فالانتخابات ليست محكمة لتصفية الحسابات، وليست أيضا استفتاء على شخص واحد؛ إنها في النهاية امتحان للقدرة على إقناع المواطن بأن المرشح قادر على تحويل الشعارات إلى مواقف، والمواقف إلى نتائج، والترافع إلى مكتسبات ملموسة.
المؤكد أن الانتخابات المقبلة بإقليم آسا الزاك لن تكون مجرد مواجهة بين أسماء انتخابية.
إنها معركة على من يمتلك القدرة على التأثير، ومن يستطيع أن يقنع الساكنة بأنه يمثل صوتها الحقيقي، ومن يملك مفاتيح التواصل معها، ومن يستطيع أن يصمد أمام الحملات المضادة والاصطفافات والتحالفات.
وفي قلب هذه المعركة يقف اسم حريش الحسين ،رجل لم يصنع حضوره بالمال، ولم يأتِ إلى السياسة من بوابة النفوذ العائلي ، وإنما حاول أن يبني لنفسه موقعا عبر الكلمة والترافع والمواجهة.
وقد تكون هذه تحديدا نقطة قوته، وقد تكون في الوقت نفسه نقطة ضعفه.
ففي السياسة، لا يكفي أن تكون صاحب صوت مرتفع؛ المطلوب أن تمتلك القدرة على تحويل ذلك الصوت إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
لذلك، فإن السؤال الذي سيظل مطروحا إلى حين إعلان النتائج هو:
هل سيقول حريش الحسين كلمته للمرة الثانية، ولكن هذه المرة من داخل البرلمان؟
وهل سينجح في تحويل الرصيد الذي بناه في الميدان، وفي حراك آيتوسى، وفي معاركه السابقة، إلى مقعد برلماني طالما ظل قريبا منه دون أن يبلغه؟
أم أن الحسابات الانتخابية ستعيد رسم المشهد بالطريقة نفسها؟
الأيام المقبلة وحدها ستجيب.
لكن شيئا واحدا يبدو واضحا: حريش الحسين لم يعد مجرد مرشح انتخابي عابر في إقليم آسا الزاك. لقد أصبح اسما حاضرا بقوة في معادلة سياسية واجتماعية مفتوحة على كل الاحتمالات، ومن الصعب هذه المرة أن تمر معركته دون أن تترك أثرا في المشهد.
والصندوق وحده، في النهاية، هو من سيقول الكلمة الأخيرة.
