أخبارأخبار الطانطانمقالات

إبراهيم الناية : المجتمعات الفاشلة.


بقلم إبراهيم الناية.
قد يسأل سائل ما هو مقياس الفشل والنجاح ؟وأي فشل تتحدثون عنه ؟هل هو عدم توفير فرص الشغل وحل مشاكل المجتمع المادية؟ أم أن الفشل الحقيقي هو الفشل الأخلاقي الذي يعد الأساس لكل المصائب؟. ولكن ألا يعد الإبتعاد عن منهج الله السبب المباشر في شقاء الإنسان وفشل البشرية ؟ ثم ما هي الخلفية الفكرية التي صنعت البؤس الاجتماعي؟.
بداية يلاحظ المرء أن هناك مجتمعات حققت الإنجاز الكبير، وهناك أخرى لم تستطع تجاوز عتبة الجهل والتخلف ،فما السر في ذلك؟.
صحيح أن هناك مجتمعات كانت تعيش أحلك لحظات التخلف ولكنها استطاعت أن تخرج من هذا الوضع لأنها عرفت طريق الخلاص باعتمادها على مشروع بناء الإنسان أولا. وعندما يتحقق هذا الشرط فإن كل الأمراض والعاهات الاجتماعية تتلاشى تباعا وتبدأ في الظهور بوادر النضج للتحرر من الفقر والجهل والمرض، وأصبح الإنسان يتموقف من كثير من الأمراض الاجتماعية كالرشوة وعدم القيام بالواجب أو أكل المال العام أو السيطرة على ثروات البلد بطريقة ملتوية رغم وجود القوانين الرادعة، لأن الإنسان تولدت لديه قناعة داخلية تمنعه من ذلك، قائمة على أساس رقابة الخالق .لكن المجتمعات الفاشلة هي التي سلكت الطريق المخالف لبناء الإنسان أولا وأصبحت تدور في الحلقة المفرغة، وقد لا تستفيق من سباتها إلا بعد عدة عقود من الزمن ومن ثم ظل المجتمع والحالة هذه يتعرض للآفة تلو الأخرى حتى أضحى مهددا بالإنهيار. ولكن قد يتساءل المرء ما هو النمط الفكري المؤهل لبناء صناعة الإنسان الناجح على الوجه الأكمل؟.
إن الغرب استند في بنائه للإنسان على مقولات الفكر المادي والنظر إلى الإنسان كشيء من الأشياء كما جسدته الفلسفات المادية والوجودية ومدرسة التحليل النفسي وغيرها ،وكانت النتيجة رغم رغد العيش والتقدم التقني هو هذا الإنسان الذي يعيش الآلام والتمزق النفسي ،ويبحث عن ملجأ ومأوى يحتضنه يجد فيه الخلاص والطمأنينة والراحة والسكينة وما نشاهده من حشود مقبلة على الإسلام هي ردة فعل على ذلك الوضع الكارثي الذي شكل ضنك الحياة .لكن ماذا نعني بالمجتمعات الفاشلة؟ وهل الفشل يتعلق فقط بعدم تحقيق المطالب المادية للإنسان من عيش وغيره؟.
إن المجتمعات الفاشلة هي الفاقدة للعنوان والهوية أي هي التي تنصلت من هويتها وتاريخها وأصبحت ضيفا غير مرغوب فيه تتوسل الانتماء إلى تيارات لا تحب استقبالها- لأنها كما يرى مالك بن نبي لها القابلية للاستعمار – ورغم ذلك فهي ترى أن الالتحاق بتلك التوجهات يضمن لها الخلاص لما هي فيه من ويلات، ولذلك تبنت المجتمعات خلفية اديولوجية تتناقض مع الأساس التاريخي الذي بلورها في السابق ،وهكذا أصبحت تحارب ما هو إيجابي كالفضيلة والاستقامة وتدعو إلى الانحلال الأخلاقي الذي تعتبره تحررا ومن المعلوم أن الفاشل أخلاقيا لا يمكن أن يحقق إنجازا. وكانت النتيجة هي تفتيت بنية المجتمع، وتحاول هذه المجتمعات الفاشلة طمس وتدمير ما هو إيجابي في الإنسان وفي الآن ذاته إذكاء ما هو سلبي بخلاف المجتمعات الناجحة التي تثمن ما هو إيجابي وتساعد الإنسان على تجاوز ما هو سلبي. ومن خصائص المجتمعات الفاشلة أنها تحدث المشاكل وتظل مدة طويلة تتناقش عن كيفية حلها ،وقد تطلب من غيرها مساعدتها، والغريب أن الفيلسوف الألماني كارل ماركس يقول “إن البشرية لا تحدث من المشاكل إلا ما هي قديرة على حلها.”.
وقد يتساءل المرء ما هو مقياس النجاح والفشل؟ إن اول مقياس للنجاح والذي يجعلنا ننتمي الى عالم الانسانية هو تحقيق العدل بين الناس في كل مجالات الحياة وعلى كل انسان ان يقوم بواجباته ويتمتع بحقوقه بما فيها تكافؤ الفرص امام الجميع. وعندما يغيب هذا الشرط يفتح الباب واسعا امام الفشل. ومن خصائص المجتمعات الفاشلة: سوء تدبير القوانين التي تنظم بنية المجتمع مما يترتب عنه عاهات اجتماعية كثيرة. اضف الى ذلك ضعف مستوى التعليم. ومن المعلوم انه عندما تنتشر المشاكل والظواهر بعد ذلك دون ان نبحث لها عن حلول جذرية بداية. فكيف سيكون الحل بعد استفحالها؟ وبخلاف المجتمعات الناجحة هي التي تحسن التدبير لكي لا تقع في الكوارث، وكما يقال ليست هناك مجتمعات فقيرة واخرى غنية وانما الامر يرجع الى حسن تدبير الموارد. ولكن العقل المتخلف الذي لا ينظر بمنظار العلم والتحرر من الجهل والجاهلية لا يترك الامور تسير في الاتجاه الصحيح. لان الفشل لا ينزل من السماء وانما الانسان المتخلف وجدانيا واخلاقيا وفكريا هو الذي يصنع الفشل. ولذلك نجد في المجتمع الفاشل من يحارب الاستقامة والنزاهة وعدم القيام بالواجب. لانها مفاهيم لا تنسجم مع عقلية الفاشلين التي يراد لها الانتشار في المجتمع. وتعتبر الدعوة الى انهيار القيم وتخريب المجتمع من الداخل مقدمة لتحقيق مآرب الفاشلين. وهكذا يتم الترويج للفكر الذي يهدم القيم لكي لا يترك فرصة للفكر الايجابي ان يسود.
واذا كانت المجتمعات الفاشلة تستمر بانتشار الخرافة والعبودية وتقديس السلطة والمال واحتقار العلم والمعرفة فان الاصطفاف مع ايدولوجية الدول الاستعمارية التي تمثل الشر والفتنة هو ديدن اتباع الحركة الاستعمارية، فاذا كان الاستعمار قد فشل في احداث الشرخ في المجتمع فان ثلة من ابناء المجتمع ارادوا تحقيق ما عجز الاستعمار عن تحقيقه، فقد اتجهت هذه الفئة الى اذكاء روح العنصرية داخل المجتمع ونشر عقلية الانتماء الى العرق بدل الانتماء للقيم والمبادئ، فالذي يحدده هوية الانسان هو الفكر وليس العرق لان الانتماء الى العرق يجعل الانسان ينتمي الى حالة الطبيعة بدل الانتماء الى حالة الثقافة وهذا الموقف امر صريح في مواجهة الإسلام الذي يعمل على تذويب الاعراق. “ان اكرمكم عند الله اتقاكم”. وليس الغرض هو احياء تراث عرق معين. وانما السعي الى محاربة الاسلام. وقد تجلى ذلك في ممارساتهم السلوكية ومواقفهم واخلاقهم التي لم تعد ترتبط بأية صلة بعقيدة ابائهم واجدادهم. واغرب ما في امرهم تبعيتهم للصهيونية واعتبارهم ابادة الشعب الفلسطيني عمل بطولي للصهيونية. ولذلك ينعتون رجال المقاومة الذين يسعون لتحرير وطنهم بابشع النعوت وهم بهذا الصنيع يقدمون النموذج الحي لما ينبغي ان يكون عليه المجتمع الفاشل.
واخيرا إن المجتمع الناجح يقوم اساسا على تربية الانسان على الاستقامة القائمة على منهج الله وتأسيس تعليم جاد وهادف وبعيد عن المناكفات لكي يحقق بناء العقل والذات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى