الإعلام الغائب في زمن الطفرة الكروية: هل ان الأوان لإدماج الصحافة الوطنية في المشروع الكروي المغربي؟

بقلم: محمد حمو مدير نشر طانطان 24
عرفت كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة على جميع المستويات، جعلت من المملكة نموذجا قاريا ودوليا في التخطيط الرياضي، وتطوير البنيات التحتية، وبناء منظومة كروية حديثة تستجيب للمعايير العالمية. فمن ملاعب بمواصفات دولية، إلى مراكز تكوين متطورة، وصولا إلى نتائج مشرفة للمنتخبات الوطنية في مختلف الفئات، بدا واضحا أن المغرب اختار طريق الاستثمار الاستراتيجي طويل المدى في كرة القدم.
ولعبت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع، دورًا محوريا في هذا التحول، عبر رؤية واضحة، وحكامة صارمة، وقدرة على الترافع داخل المؤسسات القارية والدولية، ما جعل من المغرب قوة وازنة داخل دواليب القرار الكروي الإفريقي. غير أن هذا النجاح، رغم أهميته، كشف في المقابل عن ثغرة واضحة داخل المنظومة، تتعلق بتهميش جانب لا يقل أهمية عن البنية التحتية والنتائج الرياضية، وهو الإعلام والصحافة الوطنية والمحلية.
خلال تنظيم كأس إفريقيا بالمغرب، ظهر هذا الخلل بشكل جلي. فرغم الرهان الكبير على الترويج للبطولة، اختارت الجامعة الاعتماد على مؤثرين عالميين، خصصت لهم مبالغ مهمة للتسويق للحدث. ورغم الإشادة التي قدمها هؤلاء المؤثرون بجمالية التنظيم وحفاوة الاستقبال، إلا أن دورهم ظل محدودا، بل هشا، في مواجهة الحملات الإعلامية العدائية التي استهدفت المغرب.
فهؤلاء المؤثرون، بحكم طبيعة شهرتهم وجمهورهم المتنوع، لا يستطيعون الدخول في صراعات إعلامية أو الرد على الاتهامات والهجمات، حفاظا على قواعدهم الجماهيرية، خاصة عندما تصدر الانتقادات من بلدان ينتمون إليها أو يتابعهم جمهور واسع منها. وهنا برز الفراغ الحقيقي: من يدافع عن المغرب إعلاميا عندما تشتد المعركة؟
المقارنة التي تكشف الفارق
في الجهة المقابلة، نجحت الجزائر إعلاميا، رغم الفشل الرياضي لمنتخبها وعدم وصوله إلى النهائي أو التتويج باللقب داخل المغرب، وهو الرهان الذي راهنت عليه رسميا وإعلاميا. فقد تمكن إعلامها، عبر خطاب منظم وموجه، من تحويل الإخفاق الرياضي إلى “مظلومية تحكيمية” و”مؤامرة”، مروجا لسرديات وجدت صدى واسعا في بعض المنابر والمنصات.
الأمر ذاته ينطبق، وإن بدرجة أقل، على الإعلام المصري، الذي استطاع امتصاص صدمة الإقصاء، وتوجيه النقاش بعيدا عن الفشل التقني.
في المقابل، وجد المغرب نفسه في منتخب يصل إلى نهائي كأس إفريقيا لأول مرة منذ 22 سنة، إنجاز رياضي كبير بكل المقاييس، لكنه لم يستثمر إعلاميا بالشكل الكافي. بل أكثر من ذلك، لم يتم تسليط الضوء بالقوة اللازمة على ما شاب مباراة النهائي من جدل تحكيمي، ولا على الأسلوب “الخبثي” الذي نهجه المنتخب السنغالي لتحقيق اللقب، في ظل غياب إعلام وطني مدعوم ومؤطر قادر على خوض هذه المعركة السردية.
ورغم هذا التهميش، أثبتت الصحافة الإلكترونية الوطنية والمحلية أنها كانت في الموعد. فبإمكانياتها الذاتية، ودون دعم مؤسساتي من الجامعة، تصدت للهجمات الإعلامية، وكشفت العديد من الحقائق، وفككت روايات مضللة استهدفت صورة المغرب وتنظيمه ونجاحه الرياضي.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذه المواقع وجدت نفسها وحيدة في الميدان. فبعد نهاية كأس إفريقيا، غادر جميع المؤثرين، وانتهت أدوارهم بانتهاء الحدث، بينما بقي الإعلام الوطني، بمختلف مكوناته، حاملا لمشعل الدفاع عن المملكة، ومواجها دائما لحملات التشويه، داخل سياق إقليمي ودولي شديد التنافسية.
إن ما حصد المغرب اليوم هو نتيجة مباشرة لعدم إدماج الإعلام الوطني ضمن الاستراتيجية الكروية الشاملة. فالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي نجحت في إعادة الاعتبار للمدربين المحليين وجعلتهم ركيزة أساسية في قيادة المنتخبات والمنظومة التقنية، مطالبة اليوم بالجرأة نفسها في التعامل مع الإعلام.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن الإعلام شريك استراتيجي، لا مجرد ناقل للأخبار، وأن تقوية الصحافة الوطنية، وتأطيرها، وإدماجها في الرؤية المستقبلية، يشكل درعا حقيقيا لحماية المنجزات الرياضية والدفاع عن صورة المغرب.
ففي زمن أصبحت فيه المعارك الرياضية تحسم داخل الملاعب وخارجها، يبقى السؤال مطروحا:
هل تلتفت الجامعة الملكية أخيرا إلى إعلامها الوطني… قبل فوات الأوان؟
