الأرض والقبيلة : حصيلة سنتين من الصراع مع الذات من خلال قراءة سردية وتفكيكية لمقاربة اشتغال التنسيقية ولجان الأرض.
بقلم: سالم الساهل/ باحث في علم السياسة وفاعل جمعوي
يقول الأديب السوري ميخائيل نعيمة ” ما تفهمه من كلامي فهو لك وما لا تفهمه فهو لغيرك”.
تقديم:
في السنتين الأخيرتين استفاقت العديد من قبائل تكنى بمنطقة وادنون وقبائل ايت باعمران على وقع تحفيظ جزء من أراضيها الخاصة من طرف إدارة الأملاك المحزنية والمحافظة العقارية وتعد قبيلة ايتوسى من ضمن قبائل وادنون التي اكتوت هي الأخرى بنار مصادرة أراضيها لفائدة إدارة الأملاك المخزنية والمحافظة العقارية.
وتعد قبيلة ايتوسى من اكبر قبائل الصحراء المتاخمة في منطقة وادنون على أراضيها المتواجدة في المنطقة المترامية من الجنوب الشرقي لوادنون وواد درعة شمالا ومدينة الطنطان غربا وجبال الواركزيز و ومنطقة لحمادة شرقا إلى حدود واد الساقية و الحدود الجزائرية جنوبا.
فبعد انتشار خبر تحفيظ جزء من أراضي القبيلة في زمن الحظر الصحي جراء الإجراءات الاحترازية ضد وباء كوفيد 19 تم تداول الخبر في منتصف سنة 2022 ونشر الدعوة بغية التصدي للأمر حيث تم اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة الوات ساب WatsApp وتأسيس بوابات كآلية للتواصل والنقاش تمت الدعوة من خلالها إلى تنظيم وقفات احتجاجية بمدينة أسا المركز وجماعة المحبس ثم جماعة لبيرات ثم بعد ذلك فتح نقاش عام ومطالبة مكونات القبيلة بتعيين ممثلين عن كل قبيلة أطلق عليهم “اسم لجان الأرض” للنظر في قضية الأرض مع مؤسسات الدولة والإدارات العمومية.
وخلال هذه العملية ظهرت للتو مجموعة معدودة من أبناء القبيلة أطلقت على نفسها اسم ’’ تنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والمواكبة” كفئة متطوعة تشتغل لتقديم الدعم والاستشارة ومواكبة ما يسمى “بلجان الأرض”.مع العلم أن غالبية أعضائها إن لم نقل جميعهم لا يتوفرون على شواهد عليا في القانون ولا يمارسون مهاما ذات الصلة به.
كما تجدر الإشارة أن غالبية ممثلي لجان الأرض تم انتدابهم وتعيينهم من قبل المكون القبلي الايتوسي بالرغم من بعض الخلافات الدائرة حولهم وحول طبيعة تعيينهم وكذا صلاحياتهم.ودون الخوض في مدى قانونية الوكالات العدلية من عدمها تم إصدار وكالات عدلية لكل ممثل من طرف مجموعة من المقربين له داخل الخمس أو الفخذة القبلية التي ينتمي لها لتزكيته رسميا كناطق وممثل للمجموعة القبلية في موضوع الأرض.
بينما ما يسمى “تنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والمواكبة” أعلنت نفسها كفئة متطوعة تعمل إلى جانب لجان الأرض دون أن يتم انتدابها أو تعيينها كما أنها لم تحظ بموافقة وإجماع القبيلة.
ليبقى السؤال المطروح هو هل كانت لجان الأرض تملك مقاربة واضحة للدفاع عن ملف ارض القبيلة أم لا ؟ وهل كانت ترجع للقبيلة في القرارات المتخذة لإضفاء الشرعية والمشروعية عليها آم كانت قراراتها فردية تتخذ بتنسيق مع أفراد التنسيقية فقط؟ وهل كان دور التنسيقية ينحصر في الاستشارة القانونية كما أعلنت ذلك للقبيلة من اليوم الأول أم تعداه إلى ادوار تقريرية تتجاوز وظيفتهم وتتطاول على مهام لجان الأرض وادوار شيوخ واعيان القبيلة فيما بعد؟؟. ثم ما هي طبيعة المبادرات والأفكار التي كانت التنسيقية بين الحين والأخر تقوم بالترويج والتسويق لها داخل المكون الايتوسي وهل لها علاقة مباشرة بملف الأرض أم هي مبادرات ترنوا إلى أشياء أخرى لا يعلمها إلا أصحابها ولا علاقة لها بملف الأرض لا من قريب ولا من بعيد؟.
هذه الأسئلة وغيرها سنحاول أن نلقي الضوء عليها من خلال سرد الوقائع وتحليلها وتفكيكها منذ بداية مشكل ارض القبيلة مستحضرين كل الآراء والتوجهات الدائرة بين أبناء المكون الايتوسي مع التركيز على إستراتجية التنسيقية في التعاطي مع الملف وكيفية استعمال هذا الملف استعمالات أخرى نراها بعيدة كل البعد عن موضوع الأرض والتي لا ترقى إلى أن توصف بأنها تسعى إلى البحث عن حلول لمشكل ارض القبيلة.
1ـ مقاربات التنسيقية ولجان الأرض في التعاطي مع مشكل ارض القبيلة.
كما تمت الإشارة إلى ذلك من قبل “فلجان الأرض ” هي الهيئة الوحيدة التي تم انتدابها بشكل أو بأخر من طرف القبيلة على أساس أنها الفئة الأكثر الماما وعلما بالأرض وأماكنها وحدودها وهي التي تحظى بتوافق وقبول عدد لا بأس به من أبناء القبيلة. والمهمة المنوطة بهذه اللجان كانت شبه محددة سلفا في الوكالات العدلية المسلمة لأفرادها والمتمثلة فقط في النظر في ملف الأرض مع مؤسسات الدولة وخاصة إدارة الأملاك المخزنية وإدارة المحافظة العقارية ولا يجب أن تتعداه إلى أشياء أخرى من قضايا وأمور القبيلة.
إلا انه ومن خلال بداية التعاطي مع مشكل الأرض تبين على ارض الواقع أن هذه اللجان لا تملك قرارها بيدها ولا تملك إستراتيجية أو مقاربة واضحة تمكنها من اقتراح حلول لمشكل تحفيظ أرض القبيلة والرجوع إلى القاعدة القبلية من اجل المشورة أو التبليغ.
الشيء الذي دفع ما يسمى “بتنسيقية الأطر ” إلى استغلال ضعفها وجهلها بحكم أن غالبية أعضائها متقاعدون من القوات المسلحة الملكية أو القوات المساعدة أو كسابة….الخ.
مما سهل المأمورية لأعضاء التنسيقية في الانتقال من وظيفة الاستشارة إلى وظيفة التقرير والتخطيط ثم وظيفة التنفيذ.وسيتأكد هذا جيدا بعد تهافت بعض أعضاء التنسيقية للحصول على وكالات عدلية تخول لهم الانضمام إلى لجان الأرض لاكتساب صفة الشرعية.
فأين تتجلى مقاربات عمل التنسيقية ولجان الأرض في التعاطي مع الملف؟.
في نظري المتواضع وحسب تتبعي للملف وللأحداث منذ اليوم الأول إلى الآن يبدو أن مقاربات التنسيقية ولجان الأرض في الدفاع عن ملف ارض القبيلة تنقسم إلى قسمين:
°I مقاربة قانونية_حقوقية في شكل مغامرة غير مضمونة النتائج:
*_ استهلت التنسيقية مقاربتها وطريقة تعاطيها مع ملف ارض القبيلة بدفع التعرض ضد مطلب التحفيظ إلى إدارة المحافظة العقارية بعد تجميع الوثائق والمخطوطات التي تراها هي أنها تثبت ملكية الأرض لفائدة القبيلة والتي أعلنت التنسيقية أنها تجاوزت 6000 وثيقة.وقد طبع عملها هذا السرية الكاملة حيث لم تطلع لا القبيلة ولا حتى لجان الأرض على طريقة وطبيعة اشتغالها اللهم إلا إذا استدعى الأمر الحاجة إلى توقيعات بعض الشيوخ الممثلين في لجان الأرض على الوثائق المدفوعة للمحافظة العقارية وبعض الإدارات الأخرى.
*_ إلى جانب دفع التعرض لدى إدارة المحافظة العقارية قامت التنسيقية صحبة لجان الأرض كذلك بمبادرة تقسيم ما تبقى من الأرض التي لم تشملها مسطرة التحفيظ على كل مكونات القبيلة في شكل عقود عرفية لم يتم تسجيلها بعد لدى مصالح إدارة التسجيل والتنبر.
*_ محاولة تدويل ملف الأرض عن طريق إرسال ووضع شكاوي وملتمسات لدى بعض المنظمات الحقوقية والسياسية الدولية والوطنية للنظر في الموضوع أو تقديم مؤازرة أو الضغط على الدولة المغربية.
*_القيام بزيارة تحسيسية لبعض الأحزاب السياسية الوطنية المعارضة ممثلة خاصة في حزب العدالة والتنمية وحزب الاشتراكي الموحد وكذا بعض الجمعيات والهيئات الحقوقية والنقابية مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية لحماية المال العام .
إلا أن هذه المقاربة القانونية _الحقوقية وهذه الخطوات تظل غير كافية وشافية لاسترجاع الأرض لفائدة القبيلة وتأكيد ملكيتها المتنازع عليها لعدة اعتبارات أهمها:
1_ أن وضع التعرضات لدى المحافظة العقارية يعني أن التنسيقية كانت واثقة من امتلاك الوثائق الثبوتية لملكية الأرض لفائدة القبيلة بينما في الواقع الأمر لا يعدو أن يكون مغامرة قانونية فقط غير مضمونة النتائج إذا استحضرنا وأخذنا بعين الاعتبار أن مقاضاة الدولة في قضية كقضية الأرض تتطلب التسلح بالحجج والوثائق الثبوتية الدامغة وفريق دفاع من الخبراء والفقهاء في القانون. لاسيما أن حجة ملكية القبيلة للأرض تظل قائمة فقط على التواجد والاستقرار والعرف وبعض الوثائق الاستعمارية لفائدة بعض العائلات أكثر مما هي قائمة على ملكية عرفية عدلية جماعية ثابتة أو صك عقاري.
2_ أن الأراضي غير المحفظة عادة _بما فيها ارض القبيلة_ يتم إثبات ملكيتها قانونيا عن طريق الحيازة أو دعوى الاستحقاق والقبيلة لم تقم على ارض الواقع بما يفيد حيازة الأرض لإثبات ملكيتها بالإضافة إلى أن رفع دعوى الاستحقاق تظل امرأ قانونيا معقدا وطويل الأمد.
3_ أن مبادرة تقسيم ما تبقى من الأرض على جميع مكونات القبيلة لم تكن محل إجماع ولم تعرض الفكرة على المكون القبلي من اجل تعميق النقاش فيها وشرحها بالتفصيل الكافي كما أن عملية التقسيم لم تعتمد على سند ملكية عرفي أصلي يثبت الملكية الجماعية للقبيلة للأرض ولم تحترم وجود بعض الملكيات الشخصية أو الفرعية التي تعود لبعض العائلات مما أدى إلى نشوب نزاعات وتراشقات بين بعض أبناء المكون. زد على ذلك أن فكرة تقسيم الأرض جاءت فكرة متأخرة حيث كان سيكون لها ما بعدها لو تمت قبل إقدام إدارة الأملاك المخزنية على تصنيف أراضي القبيلة ملك خاص للدولة.
وسبب هذا التأخر في التقسيم هو الصراع الموجود بين مكونات القبيلة أي بين لفي اداومليل واداومكيث على الأماكن الخصبة في المجال الترابي للقبيلة وعدم حصول التوافق والتراضي فيما بينهما لتحقيق القسمة وصيانة الأرض من كل تطاول أو اعتداء مفترض.
4_ أما مسالة تدويل الملف تبقى خطوة غير موفقة هي الأخرى ولا تخدم مصالح القبيلة ولا يوجد إجماع أو قبول عام حولها من طرف جميع مكونات القبيلة لان القبيلة تصنف ضمن القبائل الوطنية الوحدوية وأرضها لا توجد ضمن الأراضي المتنازع عليها في قضية الصحراء كما أنها تعد تجاوزا لمؤسسات الدولة الوطنية وعملا استفزازيا ليس إلا .
5_ بينما الاشتغال على الزيارة التحسيسية لبعض الأحزاب السياسية المعارضة والهيئات النقابية والحقوقية الوطنية لن يفيد الملف في أي شيء مادامت الأحزاب السياسية بكل أطيافها لا تستطيع أن تدرج ملف الأراضي في برامجها السياسية لأنه ملف ثقيل ويدخل في إطار المسكوت عنه. زد على ذلك أن نوعية الأحزاب التي تمت زيارتها غير مقررة وغير فاعلة في المكون الحكومي الحالي الذي يدبر الشأن العام الوطني.
إذا كخلاصة عامة يمكن القول أن المقاربة القانونية_الحقوقية لا تعدو أن تكون سوى مغامرة قانونية غير مدروسة النتائج ولم تستحضر مدى توفر القبيلة على الوثائق اللازمة من عدمها وكفايتها لمواجهة إدارة الأملاك المخزنية والمحافظة العقارية كما أنها لم توقف زحف إدارة الأملاك المخزنية على تراب القبيلة من بعد العمل بها. حيث تم إصدار إعلان جديد في الجريدة الرسمية عدد 1310 بتاريخ 06.02.2024 بتحفيظ ما مجموعه 303543 هكتار في جماعة المحبس تلاها بعد ذلك صدور قرار لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية بتاريخ 29.12.2023 لإجراء بحث لإحداث المنتزه الوطني لدرعه واركزيز لبطانة.
°II المقاربة “التأجيجية” لتقسيم القبيلة من خلال تصريف مجموعة من الخطابات والمبادرات:
ما يجب التأكيد عليه هو أن القبيلة لم تحقق إجماع أو توافق عام حول الخيارات أو المقاربة القانونية التي بدأت بها التنسيقية معالجة ملف ارض القبيلة.حيث وجدت عدة أراء ومقاربات مختلفة وانقسامات داخل أبناء القبيلة بخصوص التعاطي مع الملف. فهناك من دعا إلى خيار الحوار مع السلطة المحلية والجهوية وإدارات الدولة ومؤسساتها الحكومية المركزية وكذا المنتخبون ( ولعل كاتب هذه السطور أولهم) كمقاربة وخيار استراتيجي سلمي يتوخى أولا ضمان وحدة صف القبيلة وتماسكها وثانيا البحث عن حل توافقي يضمن للقبيلة الاعتراف بحقوقها على أرضها ويضمن للدولة هيبتها وسيادتها على المجال. وفي حالة ما إذا لم يتحقق أي شيء بعد استيفاء جميع مراحل الحوار يمكن للقبيلة بعدئذ أن تقرر بصوت واحد وبقناعة كاملة الخيارات النضالية المشروعة للدفاع عن أرضها .
وهناك من دعا ورحب بفكرة الاستثمار مقابل الوعاء العقاري الذي بوشرت مسطرة تحفيظه بحكم أن المنطقة تعيش على الهامش بسبب الظروف الطبيعية والمناخية وأزمة حادة في مجالات التشغيل والتنمية البشرية والبنية التحتية والسياحية وبالتالي فالأمر يتطلب عدم ترك الفرصة تمر دون الاستفادة من عائدات المشاريع الاستثمارية للدولة في المنطقة لاسيما وان برنامج الدولة الاستثماري في الطاقات المتجددة مثل الطاقة الريحية والهيدروجين الأخضر يعتبر برنامجا ملكيا بامتياز.
إلا مما يعني أن ما يسمى “بتنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والمواكبة” لم تكن تملك ثقافة نضالية وقيادية مرنة تستطيع احتواء الجميع وتوجيه أبناء القبيلة إلى التفاعل الايجابي مع مشكل الأرض والبحث عن حلول جذرية أفقيا وعموديا مع كل طاقات القبيلة. ولم تتعامل مع جميع الأفكار ووجهات النظر بنوع من الاحتواء و الاهتمام والتعقل والموضوعية الكافية من اجل تقييمها وتحليلها ولم تضع في حسبانها الانفتاح على كل الآراء والمقاربات المختلفة الصادرة من أبناء القبيلة لتشكيل رؤية أو مقاربة شمولية واضحة تراعي جميع الجوانب القانونية والاقتصادية والسياسية والانتربولوجية والجيو_إستراتيجية للملف.
بقدرما أعلنت رفضها الجلوس مع المنتخبون وطرق أبواب الحوار مع السلطة المحلية ومؤسسات الدولة في الموضوع وانتظار الدعوة للحوار تأتيها من طرف الدولة ومؤسساتها. لذلك لجأت إلى تصريف مجموعة من الخطابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي
(وات ساب WatsApp) كأحد الخيارات المبتكرة من طرف أعضائها لتحصين كل الأفكار والخيارات والمقاربات الموضوعة من طرفها وإقصاء وإبعاد الأصوات والآراء الداعية إلى مخالفتها في معالجة ملف الأرض. فقامت بالترويج لمفاهيم مثل “مع الحراك” مقابله “ضد الحراك” “المنبطحون ” و “المتملقون” و”الخونة” و “الخميس الأسود” و”أصحاب الشيوخ والعريفات” مقابله ” الأحرار” و”المناضلون” و “الشرفاء” وغيرها من الخطابات التي أججت الوضع وخلقت صراعات ومشاحنات بين أبناء الجلدة الواحدة بل تعداها الأمر إلى إصدار الكلام النابي في حق بعض الشيوخ والنساء والشباب وبعض العائلات.
والمراد من هذه العملية هو شيطنة أراء أبناء القبيلة ذوو الرؤية والمقاربة المخالفة لرؤية ومقاربة التنسيقية واتهامهم بأنهم خونة للقبيلة وضد الدفاع عن أرضها والعمل على خلق الاعتقاد لدى الأغلبية من أبناء القبيلة أن انتقاد مقاربة التنسيقية ولجان الأرض في معالجة ملف ارض القبيلة يعد عملا ضد القبيلة وضد أرضها وبالتالي يجب رفضه وإقصاء وإبعاد صاحبه (طرده من البوابة الواتسابية مثلا) بل وحتى تخوينه.
فأصبحت التنسيقية مع مرور الوقت تشتغل على مواجهة كل الآراء المنتقدة والمشككة والمتخوفة من مقاربتها في وسائل التواصل الاجتماعي وتجند لذلك مجموعة من الأشخاص الذين يقومون بدور المهاجم بالنيابة عنها على الأشخاص الحاملين لوجهات نظر مغايرة.
وفي هذا السياق يجب التأكيد على مسالة أساسية سجلناها من خلال متابعتنا ومواكبتنا للنقاش الدائر في وسائل التواصل الاجتماعي حول ملف ارض القبيلة وهي انه رغم وجود أراء ومقاربات مخالفة لتوجه التنسيقية ولجان الأرض وصلت أحيانا إلى الطعن في الأشخاص والتطاول على كرامتهم وتخوينهم من جميع الأطراف فإننا نؤكد انه لا يوجد صوت أو رأي لأحد أبناء القبيلة يقول بمباركة مصادرة ارض القبيلة ومنحها للدولة على طبق من ذهب دون استفادة القبيلة ومجالها وأبنائها من بعض الامتيازات والحقوق مقابل تحفيظ الأرض.
_ الدعوة إلى مقاطعة موسم زاوية أسا أو ما بات يطلق عليه “ملكى الصالحين” بدعوى انه موسم ومهرجان الفساد والفاسدين. والدعوة كذلك إلى مقاطعة جميع المهرجانات والمواسم والاجتماعات واللقاءات التي تنظمها الجماعات المحلية بتعاون مع السلطات الإقليمية مع العلم أن هذه الفكرة أو المبادرة لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بملف الأرض حتى وان كان المنتخبون متهمون بالمساهمة والوقوف وراء تحفيظ ارض القبيلة لفائدة الدولة. لكن الهدف من الدعوة إلى هذه الفكرة والترويج لها هو تأجيج القبيلة ضد المنتخبون والسلطة المحلية ومحاولة إضعاف سلطتهم والتقليل من قيمتهم وإعلان نفاذ صلاحيتهم ومحاولة جر الحبل من تحت أقدامهم وحث القبيلة والساكنة على السخط عليهم ,وخاصة المجلس الإقليمي الذي يسوق رئيسه وينعت من طرف التنسيقية بأنه عراب الفساد في الإقليم. ومرد ذلك في اعتقادي هو حضوره الدائم في جميع المبادرات والشراكات واتخاذ القرارات وكاريزما رئيسه في المشهد السياسي المحلي.
_ الدعوة إلى المحاسبة العامة للمجالس المنتخبة بالإقليم وتأسيس فرع محلي للهيئة الوطنية لمحاربة المال العام والعمل على تسويق الفكرة من داخل مواقع التوصل الاجتماعي بين أبناء القبيلة باعتبار أن غياب التنمية المحلية في الإقليم ومصادرة أراضي القبيلة راجع بالأساس إلى غياب الرقابة والمحاسبة وتوجيه أصابع الاتهام في هذا الصدد إلى رئاسة المجلس الإقليمي والسلطة المحلية باعتبارها راعية الفساد في الإقليم.
إذا كخلاصة للمقاربة التاجيجية يمكننا القول أن جميع هذه الأفكار بدءا بمحاولة ضبط وسائل التواصل الاجتماعي(بوابات الواتساب)كأداة لتسويق ونشر خطاب التنسيقية وشيطنة كل الآراء والمقاربات المخالفة لها من اجل تقسيم القبيلة إلى مؤيد للحراك
( مناضل وايتوسي حر)ومعارض له (خائن وانبطاحي) والدعوة إلى مقاطعة موسم الزاوية والمطالبة بالمحاسبة العامة لمالية وميزانية المجالس المنتخبة والإدارات العمومية على مستوى الإقليم فإنها تظل أفكارا ومبادرات لا صلة لها بالدفاع عن ملف الأرض للاعتبارات التالية:
1 _ فيما يخص مقاطعة موسم الزاوية فالقبيلة على مر العصور وبالرغم من صعوبة الظروف التي مرت بها (الاستعمار وحروب القبائل في زمن السيبة مثلا) لم تفكر في يوم من الأيام التأخر عن إحياء موسمها الديني الذي يشكل الجانب المعنوي الإشعاعي للقبيلة والملتقى السنوي الذي تعالج فيه جميع مشاكلها سواء الداخلية أو الخارجية, فما بالك الدعوة إلى مقاطعته وهجرانه.وبالتالي فبالرغم مما قد يصيب الأرض من انتهاك أو اغتصاب فالنضال والدفاع عنها لا يوقف إحياء الموسم الديني للزاوية فوقها.
2 _فيما يخص مطلب المحاسبة العامة لا علاقة له هو الأخر بملف الأرض والدفاع عنها لان مطلب المحاسبة العامة لميزانية المجالس المنتخبة قرار ترجع إثارته إلى الدولة ومؤسساتها المختصة وكذا الساكنة المحلية المعنية بتدبير المنتخبين بينما القبيلة ليست هي الساكنة المحلية وحتى إن اقتضى الأمر إثارته من طرف بعض أبناءها يجب أن يكون في إطار جمعيات مدنية مرخصة لهذا الغرض وباسمها وليس باسم قبيلة.
وبالتالي فالأسباب وراء التفكير في هذه المبادرات قد تتحكم فيها اعتبارات سياسية وحسابات شخصية وطموحات ذاتية أكثر مما يحكمها الدفاع عن المصلحة العامة للقبيلة والدفاع عن أرضها وعرضها.
استنتاج:
من خلال ما سبق ذكره نستنتج أن المقاربات التي اعتمدتها كل من التنسيقية ولجان الأرض في التعاطي مع ملف ارض القبيلة تنقسم إلى نوعين:
هناك المقاربة القانونية_الحقوقية وهي لا تتعدى كونها مغامرة قانونية غير معلومة النتائج أرادت من خلالها التنسيقية أن تبين للقبيلة أنها اختارت طريق الترافع القانوني على طريق الاحتجاج وبالموازاة مع ذلك اعتمدت التنسيقية كذلك على المقاربة “التأجيجية” أو “التجييشية” لأبناء القبيلة إن صح الوصف والتي تقوم على شيطنة وإبعاد كل الآراء والتوجهات التي تنادي بمقاربات أخرى مخالفة لمقاربة تعاطيها مع ملف الأرض زد على ذلك تركيز عملها وخطاباتها بشكل لافت للنظر وفي غالبية الأوقات على الحديث عن فشل الهيئة المنتخبة وتعرية انجازاتها بالإقليم مما أدى إلى استخدام ملف الأرض استخدامات خاصة ليست في محلها جعل القبيلة في آخر المطاف تدخل في صراع مع ذاتها بدل الصراع مع الدولة ومؤسساتها من اجل أرضها.
-II البحث عن الزعامة والقيادة من خلال استعمال ملف الأرض كمطية للتقرير في شؤون القبيلة.
لا يشكك أحدا في كون القبيلة عانت في الآونة الأخيرة من عدة مشاكل تنظيمية انعكست على واقعها الداخلي من حيث اتخاذ القرار والحفاظ على لحمتها وحضورها في أوساط المجتمع القبلي الصحراوي. وتتجلى هذه المشاكل أساسا في غياب مجلس للقبيلة مكون من الشيوخ والأعيان والوجهاء أو ما كان يطلق عليه سابقا بمجلس “أيت الأربعين”.
ناهيك عن رحيل أغلبية شيوخها وزعمائها الكبار إلى الدار الآخرة والذين كانت القبيلة تحترمهم وتقدرهم وتنساق وراء نداءاتهم( القائد شياهو والقائد الخرشي والقائد ويسي ولد الرباني و أيدا ولد التامك وبابيا الخرشي وغيرهم من كبار القبيلة على سبيل المثال لا الحصر). بالإضافة إلى ضعف المنتخبين وحضورهم الباهت في أمور القبيلة وكذا في المشهد السياسي الجهوي والوطني مما حال دون أخذهم المشعل بفعل الشرعية الانتخابية التي يحظون بها للحفاظ على استمرارية نظام القبيلة وتوازنها الداخلي في ظل غياب مجلس أعيان القبيلة أو مجلس آهل الحل والعقد.
وكان ملف الأرض من بين الأسباب والعوامل التي عجلت بكشف المستور حيث اغتنمت تنسيقية الأطر الفرصة بتنسيق مع لجان الأرض في محاولة منها لملء الفراغ الموجود. فأخذت بذلك زمام المبادرة لقيادة وزعامة القبيلة والتقرير في شؤونها تحت مطية الدفاع عن الأرض والعرض.
ومن ابرز القرارات التي أقدمت عليها التنسيقية ولجان الأرض دون اخذ موافقة القبيلة واستشارتها نجد:
1_التطاول على مناقشة قضايا جمعية الزاوية الدينية والطعن في رئيسها وطريقة انتخاب أو تعيين أعضائها واتهامهم بالفساد وتحريض القبيلة على سحب الثقة من أعضائها ومطالبة الأعضاء المنتمون إلى لجان الأرض بتقديم استقالتهم من مكتبها واتهام السلطة المحلية ورئيس المجلس الإقليمي بالتدخل في تسيير شؤونها.مع العلم أن شؤون الزاوية الدينية ظلت شيئا موقرا ومقدسا لدى القبيلة وأبنائها لرمزيتها الدينية والتاريخية ولا علاقة لها بموضوع الأرض إطلاقا. ولم يسبق قط أن تم التطاول على مناقشة شؤون الزاوية الدينية في الأماكن العامة وتسريب أخبارها إلى العموم في تاريخ القبيلة السابق.
وبهذا الفعل تكون التنسيقية ولجان الأرض قد استغلتا موضوع الأرض لوضع يد لهما في الزاوية من اجل سحب البساط من تحت أقدام الجمعية المسيرة للتحكم في قيادة وزعامة القبيلة مستقبلا.
2_ حضور لقاء قبائل تكنى المنظم في قرية تغمرت ضواحي مدينة كليميم في شهر أغسطس 2024 ودعوة قبائل الصحراء إلى حضور ما أسمته التنسيقية بمؤتمر “الأرض والعرض” في مايو 2024 ثم تغيير اسمه بعد ذلك ” بملكى ارض قبائل الصحراء” في شتنبر 2024 بإقليم أسا بعد أن تم منعهما من قبل السلطات المحلية.
3_ دعوة مكونات القبيلة إلى عقد اجتماعات في أوقات معينة وجمع التبرعات المالية لتمويل هذه الاجتماعات واللقاءات.
لذا فالدعوة إلى عقد مثل هذه اللقاءات أو حضورها تبقى دون تأثير مباشر على قضية ألأرض وإقحام القبيلة فيها دون موافقة مسبقة منها لن يفيدها في أي شيء من اجل استرجاع أرضها.
يضاف إلى ذلك أن التنسيقية ما هي إلا مجموعة متطوعة لا تحظى بموافقة وإجماع القبيلة ولجان الأرض مهامهم وأدوارهم محدودة في تتبع مشكل الأرض مع المؤسسات الإدارية المعنية دون تجاوزها إلى ادوار أخرى غير متوافق عليها أو مرخص لها من طرف القبيلة.
ليتضح أن الهدف من وراء ذلك كله هو البحث عن الزعامة وقيادة القبيلة في ظل الفراغ القائم والتشرذم والصراعات الداخلية التي تعرفها القبيلة ومحاولة فرض الفكرة وترسيخها شيئا فشيئا عند الغالبية من أبناء المكون.
خاتمة:
على سبيل الختم يمكن التأكيد من خلال تتبعنا ومواكبتنا لوقائع ملف ارض القبيلة والنقاشات الدائرة بين أبناءها عبر وسائل التواصل الاجتماعي منذ انطلاقة شرارة الملف إلى كتابة هذه السطور أن مقاربات تعاطي التنسيقية ولجان الأرض مع إدارته وتدبيره لم تكن موفقة وهادفة بالشكل المطلوب للأسباب التالية:
1_تركيز نقاش التنسيقية خلال هذه المدة كلها (أي بعد مرور سنتين)على الطعن في كل الآراء والمقاربات التي تتناول الملف بمقاربة أو طريقة تختلف عن مقاربتها له مما أدى إلى تقسيم القبيلة إلى عدة اتجاهات مختلفة ومتناحرة أدى بها الأمر في أحيان كثيرة إلى التطاول على كرامة الأشخاص والعائلات والمساس بشخوصهم بدل الاستماع إلى الآراء المخالفة لها والحرص على توحيد المقاربة وتوحيد صفوف القبيلة للبحث عن الحلول الممكنة والهادفة لمشكل الأرض. وهو ما أدى إلى تحويل صراع القبيلة مع الدولة كصراع مفترض حول الأرض إلى صراع القبيلة مع ذاتها.
3_ تركيز التنسيقية هجومها ونقدها اللاذع بوجه لافت للنظر على المنتخبين والسلطة المحلية وأبناء القبيلة الحاملين لوجهات نظر مخالفة دون توجيه نقدها بنفس الوتيرة للحكومة ومؤسسات الدولة المركزية التي كانت وراء مصادرة أراضي القبيلة.كأنما قرار إحداث المشاريع الاستثمارية على ارض القبيلة هو قرار المنتخبين والسلطة محليا وليس قرارا حكوميا أو ملكيا مركزيا.
إذا اختلافنا وعتابنا للتنسيقية ولجان الأرض إلى جانب مجموعة من أبناء القبيلة هو اختلاف حول أداة العمل ( المقاربة وأسلوب الاشتغال)وليس اختلاف حول الهدف
(حق القبيلة في أرضها).فحل مشكل الأرض يقتضي ترتيب وتوحيد صفوف القبيلة أولا وتجنب فتح جبهات وصراعات مجانية وغير مجدية ثانيا سواء مع أبناء القبيلة آو المنتخبين أو السلطات المحلية واحتواء الاختلافات والخلافات من اجل تبني مقاربة عامة متوافق بشأنها ثالثا تتوخى البحث عن فتح قنوات الحوار مع الدولة ومؤسساتها. لأن معالجة قضايا الأرض في المغرب وعلى مر التاريخ تخضع دائما لمبدأ التوافق والحوار بين القبائل والمخزن.
وإذا كان للقبيلة حق تاريخي على أرضها منذ قرون وتوارثتها أبا عن جد وتعزز حقها فيها بموجب منح جلالة المغفور له الحسن الثاني عمالة للقبيلة باسمها وفوق مجالها الترابي سنة 1991فان واجب الانخراط في قضايا التنمية المحلية والوطنية يفرض على قبيلة ايتوسى كقبيلة وطنية وحدوية مجاهدة ساهمت من خلال حرب الصحراء في بناء الوطن أن تساهم وتشارك اليوم في بناء أسس التنمية الوطنية. ولن يتأتى ذلك إلا في إطار الحوار و الاحترام المتبادل بين القبيلة ومؤسسات الدولة وقيام هذه الأخيرة بمراجعة مساحة الهكتارات المراد تحفيظها من أراضي القبيلة وتعويضها بما من شانه أن يعود بالنفع على المنطقة وساكنتها.
عموما وبالرغم من خروج مسار الدفاع عن الأرض والعرض من صراع مفترض مع الدولة إلى صراع القبيلة مع ذاتها بفعل المقاربة التي تم بها تدبير وتسيير الملف من طرف التنسيقية ولجان الأرض. فان ما وقع مع ما يحمله من سلبيات وايجابيات يبقى تمرين سياسي وتجربة مهمة سواء لفائدة القبيلة أو لفائدة المنتخبون أو لفائدة الدولة ومؤسساتها محليا ومركزيا كل من جانبه لأخذ الدروس والعبر في المحطات والتمارين السياسية والاقتصادية المقبلة. .//
حرر بتاريخ 21.09.2024

