أخبارأخبار الطانطان

موسم طانطان.. من قرر تغييب أسماء القبائل الصحراوية عن خيامها؟ وهل تسحب الهوية من قلب التراث؟

بعد 18 نسخة من موسم طانطان، تجد القبائل الصحراوية نفسها أمام مشهد غير مألوف، بعدما اختفت يافطات أسمائها من أمام الخيام، في خطوة تطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا القرار، وتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن مكانة الموروث الثقافي الحساني في واحدة من أبرز التظاهرات التراثية بالمغرب.

في جولة ميدانية بين خيام موسم طانطان، الذي يفترض أن يكون فضاءً للاحتفاء بالثقافة الحسانية وصيانة الذاكرة الصحراوية وإبراز خصوصياتها، يلفت الانتباه غياب يافطات أسماء القبائل التي ظلت، لسنوات، جزءاً من المشهد العام للموسم، وعلامة تعريفية لا تخطئها عين الزائر.

ولم تكن هذه اليافطات مجرد لوحات تحمل أسماء، أو علامات شكلية لتزيين مداخل الخيام، بل كانت بمثابة بطاقات تعريف بالقبائل الصحراوية، ووسيلة للتعريف بتاريخها وامتدادها الاجتماعي والثقافي، وجسرا يربط الزوار بمكونات الهوية الصحراوية الحسانية.

فما الذي تغيّر حتى تسحب هذه العلامات من أمام الخيام؟ ومن اتخذ هذا القرار؟ وما المبررات التي استند إليها؟ وهل جرى التشاور مع ممثلي القبائل المعنية قبل الإقدام على خطوة بهذا الحجم الرمزي؟

أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة، بعيدا عن منطق الصمت أو التعامل مع الموضوع باعتباره تفصيلا تنظيميا لا يستحق النقاش.

فالمسألة هنا لا تتعلق بقطعة خشبية أو لوحة تعريفية، وإنما برمز من رموز الذاكرة الجماعية الصحراوية، وبمظهر من مظاهر الاعتراف بالتعدد القبلي الذي يشكل أحد المكونات الأساسية للتراث الحساني.

والمفارقة أن يأتي هذا المشهد بعد 19 نسخة من موسم طانطان، وبعد سنوات من الترويج للموسم باعتباره فضاءً لصون التراث اللامادي والتعريف بالموروث الثقافي الصحراوي، ليجد الزائر نفسه اليوم أمام خيام يصعب التعرف على القبائل التي تمثلها من خلال العلامات التي اعتاد وجودها.

فكيف يمكن الحديث عن تثمين التراث الصحراوي، في الوقت الذي تختفي فيه إحدى أبسط وسائل التعريف بمكوناته؟ وكيف يمكن تقديم تجربة ثقافية متكاملة للزوار، مغاربة وأجانب، دون توفير المعطيات الأساسية التي تساعدهم على فهم رمزية الخيام والقبائل التي تقف وراءها؟

إن جولة اليوم بين الخيام تترك انطباعا مقلقا بأن جزءا من الهوية البصرية للموسم قد غاب، وأن دليلا تعريفيا كان يساعد الزائر على اكتشاف مكونات الثقافة الحسانية قد سحب من المشهد، دون أن يكون واضحا للرأي العام ما إذا كان الأمر يتعلق بإجراء مؤقت، أم بتوجه تنظيمي جديد.

والأخطر من ذلك أن غياب هذه اليافطات قد يفهم، لدى عدد من المهتمين بالتراث المحلي، باعتباره تراجعا عن مظهر من مظاهر إبراز الخصوصية الثقافية للقبائل الصحراوية، وهو ما يستدعي توضيحا رسميا يضع حدا للتأويلات ويكشف حقيقة ما جرى.

إن صون التراث لا يتحقق بالشعارات والخطابات وحدها، ولا يكفي أن ترفع عناوين تثمين الثقافة الحسانية بينما تغيَّب بعض مظاهرها التعريفية من فضاء الاحتفاء بها. فالتراث الحي هو الذي تُصان رموزه، وتُحترم مكوناته، ويُمنح أبناؤه حق الحضور والتعريف بخصوصياتهم داخل الفضاءات المخصصة للاحتفاء به.

ومن هذا المنطلق، فإن الجهات المنظمة مطالبة بتقديم توضيحات صريحة حول أسباب سحب يافطات أسماء القبائل، والكشف عن المعايير التي تم اعتمادها في هذا القرار، مع ضرورة إشراك ممثلي القبائل والفاعلين الثقافيين المحليين في كل ما يرتبط بتدبير الرموز والمظاهر التراثية للموسم.

فموسم طانطان ليس مجرد تظاهرة عابرة تقاس بنجاح برمجتها أو بعدد ضيوفها، بل هو ذاكرة جماعية ومسؤولية ثقافية وتاريخية، وأي تغيير يمس مظهره التراثي ينبغي أن يكون واضح الأسباب، ومبررا بما يخدم الهوية الصحراوية ولا ينتقص من حضور مكوناتها.

فهل يتعلق الأمر بقرار تنظيمي له مبرراته، أم بخطوة غير محسوبة أغفلت القيمة الرمزية لهذه اليافطات؟

إلى حين تقديم التوضيحات اللازمة، سيظل غياب أسماء القبائل من أمام الخيام مشهدا يثير الاستغراب والاستياء، ويطرح سؤالا جوهريا لا يمكن تجاهله: إذا كان موسم طانطان فضاء للاحتفاء بالهوية الصحراوية الحسانية، فكيف يحتفى بهذه الهوية في غياب بعض أبرز علامات التعريف بمكوناتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى