أخبارأخبار وطنية

أخشيشن.. حملات التشويه تصطدم بصخرة الشرعية الانتخابية

على مدى نحو سنتين، لم تكن المواجهة حول إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة مجرد نقاش تقني حول مواد قانونية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لموازين القوى داخل الجسم الصحافي، ولقدرة المهنيين على الدفاع عن استقلالية تنظيمهم الذاتي وعن مبدأ التمثيلية والتعددية.

وفي قلب هذه المواجهة كان عبد الكبير أخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، الذي اختار أن يخوض المعركة من موقع واضح: الدفاع عن مقاربة يعتبرها أكثر انسجاماً مع استقلالية المهنة، ورفض تمرير اختيارات يرى أنها لا تضمن التوازن المطلوب داخل المجلس.

ولم يكن موقف أخشيشن مجرد خطاب للاستهلاك الإعلامي. فقد عبّر، في أكثر من مناسبة، عن اعتراضه على طريقة إعداد النص وعلى عدد من مقتضياته، وقال إن النقابة لم تُشرك بالشكل الكافي في إعداد المشروع، كما اعتبر أن بعض الاختيارات لا تنسجم مع روح التنظيم الذاتي للصحافة

ثم جاءت اللحظة التي لم يعد فيها النقاش مجرد سجال بين هذا الطرف أو ذاك.

في 22 يناير 2026، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 261/26 بشأن القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وقضت بعدم دستورية خمس مقتضيات، من بينها المقتضى المتعلق بتوزيع المقاعد بين الصحافيين المهنيين والناشرين.

والأهم أن المحكمة اعتبرت أن تخصيص تسعة مقاعد للناشرين مقابل سبعة للصحافيين المهنيين يخل بقاعدة التساوي والتوازن في التمثيل داخل المجلس، وربطت ذلك بالمبادئ الديمقراطية والتعددية التي تحكم تنظيم قطاع الصحافة.

هنا، تحديداً، تغيرت طبيعة النقاش.

ما كان يوصف من طرف بعض خصوم النقابة بأنه مجرد موقف سياسي أو نقابي، أصبح جزءاً من نقاش دستوري انتهى إلى إلغاء مقتضيات من القانون.

وهذا لا يعني أن المحكمة «حكمت لصالح أخشيشن» كشخص؛ فالمحكمة الدستورية تفصل في دستورية النصوص، لا في شرعية الأشخاص أو النقابات. لكن الوقائع تقول إن أحد المحاور الأساسية التي اعترض عليها المهنيون يتعلق تحديداً بالتوازن في تمثيلية الصحافيين والناشرين، وهو ما حسمت فيه المحكمة بموقف دستوري واضح.

ومن هنا تبدأ الحكاية الأخرى.

فبدل أن ينتهي السجال بانتهاء المسار القضائي، انتقلت المعركة إلى الانتخابات.

وهناك يصبح الكلام أقل قيمة من الأرقام.

في انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة، التي جرت يوم 15 شتنبر 2026، تنافس 39 مرشحاً على سبعة مقاعد. وأسفرت النتائج الرسمية التي أعلنتها اللجنة المؤقتة عن فوز عبد الكبير أخشيشن بـ437 صوتاً، ليكون واحداً من الأعضاء السبعة المنتخبين عن فئة الصحافيين المهنيين.

والأكثر دلالة أن أخشيشن تصدر نتائج الاقتراع في جهة بني ملال-خنيفرة، وفق النتائج المنشورة عن الدائرة، قبل أن تؤكد النتائج الوطنية دخوله ضمن الفائزين.

وهنا تصبح كل حملات التشكيك مطالبة بأن تواجه سؤالاً بسيطاً:

إذا كان الرجل قد فقد، كما حاول البعض الإيحاء، ثقة الصحافيين، فمن أين جاءت أصواتهم؟

يمكن الاختلاف مع أخشيشن.

يمكن انتقاد مواقفه.

يمكن مساءلة النقابة التي يرأسها.

ويمكن حتى الاعتراض على اختياراته في تدبير هذه المرحلة.

كل ذلك مشروع، بل ضروري في مهنة تقوم في جوهرها على النقد والمساءلة.

لكن ما ليس مشروعاً هو أن يتحول الاختلاف إلى تشويه، وأن تتحول المنافسة المهنية إلى حملة لإسقاط الأشخاص خارج المؤسسات والقواعد الديمقراطية.

فالانتخابات قالت كلمتها.

والمحكمة الدستورية قالت كلمتها.

وبين الكلمتين، يصعب إقناع الرأي العام المهني بأن كل ما جرى طوال هذه الفترة كان مجرد معركة شخصية يخوضها أخشيشن بحثاً عن موقع أو امتياز.

لقد كان الرجل في موقع القيادة عندما اشتد النقاش حول قانون المجلس، وتحمل تبعات موقف نقابته، ثم عاد إلى صناديق الاقتراع.

وكان يمكن أن تكون النتيجة مختلفة.

لكنها لم تكن كذلك.

437 صحافياً مهنياً اختاروا أن يمنحوه أصواتهم، فدخل المجلس الوطني للصحافة من بوابة الانتخاب، بالرغم من الحملات التي استهدفته شخصيا

وهذا هو الفارق بين الشرعية التي تصنعها الحملات والشرعية التي يصنعها التصويت.

أما الحديث عن «الطعن» في النتائج أو في المسار الانتخابي، فلا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة إعلامية قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها. فمن حق أي مترشح أن يسلك المساطر القانونية للطعن إذا كان يرى أن هناك ما يستوجب ذلك، ومن حق المؤسسات القضائية والانتخابية وحدها أن تفصل في هذه الادعاءات.

أما تحويل مجرد الطعن إلى حكم مسبق على شرعية الفائز، فذلك يعيدنا إلى النقطة نفسها: المؤسسات والقانون هما الفيصل، وليس حملات التشهير.

لقد كان أخشيشن، خلال هذه المرحلة، أحد أبرز الوجوه التي دافعت علناً عن تصور معين لاستقلالية التنظيم الذاتي للصحافة. وقد كان لهذا التصور خصومه كما كان له مؤيدوه.

لكن شيئاً واحداً لا يمكن القفز عليه:

الرجل لم يسقط في أول امتحان انتخابي بعد هذه المواجهة.

بل عاد إلى الصندوق، وحصل على أصوات مكنته من أن يكون واحداً من ممثلي الصحافيين المهنيين داخل المجلس الوطني للصحافة.

وهنا ربما تكمن المفارقة التي تؤرق خصومه:

كلما حاولوا نقل المعركة من الأفكار إلى الشخص، أعادتها الوقائع إلى المؤسسات.

وكلما حاولوا اختزال المواجهة في أخشيشن، أعادتها المحكمة الدستورية إلى الدستور.

وكلما حاولوا حسمها في فضاء الإشاعة، أعادتها الانتخابات إلى صناديق الاقتراع.

ذلك هو الدرس الحقيقي.

ليس المطلوب أن يكون أخشيشن فوق النقد، ولا أن تكون النقابة فوق المحاسبة.

المطلوب فقط أن تكون المنافسة نظيفة، وأن يكون النقد موثقاً، وأن تكون الاتهامات قائمة على الأدلة، وأن يُترك الحكم النهائي للمؤسسات وللصحافيين أنفسهم.

أما إذا كان السؤال هو: هل انتهى أخشيشن سياسياً ومهنياً بسبب كل ما تعرض له من حملات خلال هذه المرحلة؟

فإن الأرقام لا تجيب بهذه الطريقة، لكنها تقول شيئاً أكثر دقة:

ما زال الرجل حاضراً، منتخباً، وداخل المؤسسة التي كانت محور واحدة من أعنف المعارك حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة المغربية، وما زال قادرا على توسيع التوهج الذي حققته النقابة في هذا الاستحقاق.

ولهذا، فإن الذين يريدون إسقاطه بالضجيج سيحتاجون أولاً إلى مواجهة شيء أكثر صعوبة من الإشاعة، هو الحضور القوي للرجل في حوالي نصف ولاية واجه فيه أعاصير باعصاب من حديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Ko se poletje prevesi v jesen, zadiši po toplih juhah in svežem pecivu. Katere prijetne lokale izbrati, je vredno podrobneje raziskati. Znanci svetujejo, Ko zjutraj odpremo hladilnik, hitro postane jasno, kako prav pridejo preprosti recepti: iz nekaj svežih sestavin pripravimo okusen in hranljiv obrok.