أخبارأخبار أخبار وطنية

المركز المغربي لحقوق الإنسان يطالب بإعادة النظر في مشروع القانون 26.25

مذكرة حول مشروع القانون 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة
توطئة
يأتي مشروع القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة في سياق وطني يتسم بتزايد النقاش حول حرية الإعلام ومستقبل التنظيم الذاتي للمهنة. هذا النقاش يتقاطع مع التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي الوطني والدولي، والتي تفرض الحاجة إلى إرساء مؤسسات قوية ومستقلة ومنظومة تشريعية ديمقراطية، بما يكفل حماية حرية الصحافة وتعزيز أخلاقياتها في احترام تام للدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، انكب المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبر اللجنة لعلمية لخدمة حقوق الإنسان، على دراسة النص التشريعي المقترح، حيث رصد مجموعة من الاختلالات الجوهرية التي من شأنها أن تمس بجوهر حرية الصحافة وبالمرجعيات القانونية التي يتعين أن تحكم تنظيمها.
يستمد النقاش حول مشروع القانون 26.25 مشروعيته من القواعد الدستورية التي جعلت من حرية الصحافة إحدى الركائز الأساسية للديمقراطية التشاركية بالمغرب. فقد نص الفصل 28 من دستور 2011 على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”. كما نص الفصل 25 على أن حرية الفكر والرأي والتعبير بجميع أشكالها مكفولة، وهو ما يضع على عاتق المشرّع مسؤولية صياغة نصوص قانونية لا تُفرغ هذه الحقوق من مضمونها.
كما أن الفصل 19 من الدستور نص بوضوح على مبدأ المساواة والمناصفة بين الجنسين في كافة الحقوق والحريات، وهو مبدأ ينبغي أن يجد ترجمته داخل تركيبة المجلس الوطني للصحافة.
وعلى الصعيد الدولي، يلتزم المغرب بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 19 منه التي تكفل الحق في حرية التعبير، وبالتوصيات المتكررة الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وإلى جانب ذلك، تظل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة مرجعاً داخلياً أساسياً، حيث أكدت على ضرورة صون حرية التعبير وعدم إخضاع الصحافة لأي رقابة أو وصاية إدارية.
تتمحور ملاحظات المركز لمغربي لحقوق لإنسان حول أربعة محاور أساسية، هي : العدالة التمثيلية والمناصفة، استقلالية المجلس، السلطة التأديبية للمجلس، ثم مسألة نشر التقارير، وذلك في ضوء المرجعيات الدستورية والحقوقية الوطنية والدولية.

  • اختلالات العدالة التمثيلية والمناصفة
    يرى المركز المغربي لحقوق الإنسان أن الصيغة الحالية لمشروع القانون من شأنها أن تحدث خللا واضحا في ميزان التمثيلية داخل المجلس، إذ يمنح الناشرين تمثيلية مضاعفة مقارنة بالصحفيين، سواء بشكل مباشر (7 أعضاء) أو غير مباشر عبر “الحكماء” (عضوين يمثلانهم)، ما يفرغ مبدأ التوازن من محتواه. الأخطر أن المشروع يفرض على الصحفيين آلية الانتخاب، بينما يسمح للناشرين بآلية الانتداب، في خرق صريح لمبدأ المساواة الذي يشكل قاعدة أساسية في النظام الدستوري المغربي.
    أما فيما يتعلق بالمناصفة، فقد سجل المركز تراجع المشروع عن مقتضيات الفصل 19 من الدستور، إذ حصر تمثيل النساء في ثلاث مقاعد للصحفيات فقط، دون أن يفرض أي التزام مماثل على فئة الناشرين. هذا التمييز، يعكس ضعفا بنيوياً في إدماج مقاربة النوع الاجتماعي داخل المؤسسة المزمع إعادة تنظيمها، ويكرس استمرار هيمنة الذكور في فضاء يفترض أن يكون نموذجاً للمساواة.
    إضافة إلى ذلك، فإن تغييب المجتمع المدني، بما في ذلك اتحاد كتاب المغرب وهيئة المحامين والمنظمات الحقوقية، يحرم المجلس من التنوع المطلوب، ويضعف شرعيته كمؤسسة يفترض أن تمثل مختلف الفاعلين المرتبطين بالمجال الإعلامي.
    المساس بمبدأ استقلالية المجلس
    يعتبر المركز المغربي لحقوق الإنسان أن إدراج “مندوب حكومي” ضمن تركيبة المجلس (المادة 6) يمثل مسا مباشرا باستقلاليته، إذ يفتح الباب أمام تدخل السلطة التنفيذية في مؤسسة يفترض أن تؤطرها قاعدة التنظيم الذاتي. فوجود ممثل للحكومة داخل المجلس لا يمكن تفسيره إلا بكونه محاولة لإضفاء نوع من الوصاية غير المبررة، وهو ما يتناقض مع روح الفصل 28 من الدستور ومع التجارب المقارنة في دول مثل فرنسا وبلجيكا وكندا، حيث تقوم مجالس الصحافة على استقلالية مطلقة عن السلطة التنفيذية.
    كما أن مبرر “التنسيق” الذي أُنيط بالمندوب الحكومي لا يرقى ليبرر إدماجه داخل المجلس، إذ يمكن لرئيس المجلس أو أجهزته الإدارية القيام بهذه المهمة دون حاجة إلى أي تدخل حكومي مباشر.
    السلطة التأديبية الواسعة للمجلس
    منح المشروع للمجلس سلطات تأديبية تصل إلى حد سحب بطاقة الصحافة المهنية لمدة ثلاث سنوات، وهو إجراء يقترب من العقوبات القضائية أكثر منه من آليات التنظيم الذاتي. ويرى المركز أن هذا التوجه ينسف الفلسفة التي بني عليها المجلس، إذ يحوله من سلطة أخلاقية معنوية إلى سلطة زجرية عقابية.
    هذا الاختيار، من وجهة نظرنا في المركز المغربي لحقوق الإنسان، يشكل تهديدا خطيرا لمبدأ حرية التعبير، ويتعارض مع مبدأ التناسب المنصوص عليه في الفصل 118 من الدستور، فضلا عن أنه يفتح الباب أمام إمكانية إساءة استعمال السلطة التأديبية لتكميم أصوات صحفيين أو مؤسسات إعلامية مزعجة.
    ولذلك، يجب أن تقتصر وظيفة المجلس على الوساطة، التحكيم، التوجيه والتكوين، مع ضمانات إجرائية أساسية مثل الإخطار المسبق، التدرج في الجزاءات، واحترام الحق في الطعن أمام القضاء. ولذلك، ما من مناص من إلغاء الطابع العقابي لصلاحيات المجلس.
    غياب إلزامية نشر التقارير
    يعتبر المركز المغربي لحقوق الإنسان أن المشروع أغفل التنصيص على إلزامية نشر تقارير المجلس أو إحالتها على البرلمان، وهو ما يتعارض مع مقتضيات الفصل 27 من الدستور الذي يكفل الحق في الحصول على المعلومات. إن تغييب هذه المقتضيات يفرغ المجلس من بعده التشاركي والشفافية التي يتعين أن تطبع عمله، ويحول دون تمكين الرأي العام من متابعة أداء المؤسسة وتقييمه.
    إن الشفافية ليست خيارا ثانويا، بل شرطا لازما لشرعية أي مؤسسة تدعي تمثيل السلطة الرابعة وتسعى إلى حماية حرية الإعلام، وهو ما يقتضي النص الصريح على إلزامية نشر كل التقارير بمختلف الوسائل، بما في ذلك الموقع الرسمي للمجلس.
    الخلاصات والتوصيات
    إننا في المركز المغربي لحقوق الإنسان، نعتبر أن مشروع القانون 26.25، في صيغته الحالية، يتعارض مع مقتضيات الدستور والالتزامات الدولية للمغرب، ويمثل تراجعا عن المكتسبات الحقوقية في مجال حرية الصحافة. ومن ثمة، فإنه يدعو إلى :
  • إعادة النظر في تركيبة المجلس بما يضمن توازنا حقيقيا بين الصحفيين والناشرين، مع إدماج ممثلين عن المجتمع المدني وتفعيل مبدأ المناصفة الدستوري.
  • حذف المادة 6 المتعلقة بالمندوب الحكومي، حفاظا على استقلالية المجلس عن أي وصاية تنفيذية.
  • إلغاء الطابع العقابي لصلاحيات المجلس، وحصرها في التوجيه الأخلاقي والتحكيم والتكوين، مع ضمان احترام مبادئ التناسب والحق في الطعن.
  • التنصيص صراحة على إلزامية نشر تقارير المجلس وإحالتها إلى البرلمان، تكريسا لحق المجتمع في الولوج إلى المعلومة.
  • فتح نقاش وطني موسع، تشارك فيه النقابات المهنية، الجمعيات الحقوقية، والفاعلون السياسيون، من أجل صياغة نص توافقي يستجيب لمتطلبات دولة الحق والقانون.
  • استلهام الممارسات الفضلى على الصعيد الدولي (النموذج البلجيكي، السويدي، الكندي) التي تجعل من التنظيم الذاتي للصحافة وسيلة لتعزيز الحرية لا لتقييدها.
    حرر بالرباط بتاريخ 21 شتنبر 2025،
    اللجنة لعلمية لخدمة حقوق الإنسان، التابعة للمكتب لتنفيذي للمركز المغربي لحقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى