ابراهيم الناية : هل يمكن ان تتقدم أمة لا تقرأ؟

بقلم: إبراهيم الناية
لقد عرفنا في تاريخنا الثقافي أن هناك كتاباً كباراً لم يلجئوا المؤسسات الجامعية ولا حتى الثانوية ولم ينالوا الدرجات الجامعية،ولكنهم تركوا إرثاً كبيراً من المعارف تجلى في عشرات الكتب والمؤلفات في مختلف مجالات الفكر والفلسفة والآدب والدراسات الإسلامية وغير ذلك لأنهم اعتمدوا بالأساس على الله ثم على أنفسهم في بناء الذات وتحدوا الصعاب التي اعترضتهم وآمنوا بقيمة العلم والمعرفة وعلموا أن الخروج من سبات الجهل والتخلف لا يتحقق إلا من خلال المعرفة ومحاربة أمية الحرف والفكر ،لكن المتتبع لحركة القراءة داخل مجتمعاتنا يلاحظ أن هناك تراجع كبيراً في الإقبال على قراءة الكتاب، بخلاف ما كان سائداً في السابق فهل وسائل الإعلام هي السبب وراء هذا العزوف في ترك قراءة الكتاب واقتنائه؟ أم أن هناك سياسة معتمدة تسعى إلى تجهيل المجتمع من أجل تحقيق أهدافه غير معلنة؟ ومن جهة أخرى قد يسأل سائل ما مفهوم القراءة؟ وهل هي حكر على قراءة الكتاب؟ وكيف نقرأ؟ وهل كل قراءة هي فعل إجابي؟ وبعيداً عن الجدل الذي قد يترتب عن طرح هذه الأسئلة فإن المطلوب الأساسي هو ممارسة القراءة ،وعند الصباح يحمد القوم السرى كما يقال . نعم يمكن الإقرار أن القراءة هي المدخل الطبيعي لتحرير الإنسان من الجهل، إضافة إلى ترسيخ بناء الذات وتقوية القناعة فكيف يمكن أن يقتنع الإنسان برؤية فكرية بدون قراءة وبحث؟ وما حصل من العزوف عن قراءة الكتاب لم يقف عند هذا الحد بل امتد إلى تمييع مفهوم الثقافة ذاتها، فيريد التافهون حصرها في جوانب فلكلورية لأنهم يرون فيها حضور ذواتهم. لقد عرف عند أسلافنا أن الله لا يعبد بالجهل ولا يعبد إلا بما أمر وهو أمر لا يدرك إلا بالمعرفة وقد صدق ابن القيم رحمه الله عندما قال في كتابه مفتاح السعادة” لا تقوم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة” وكم يكون المرء مصدوما من حالنا عندما يعلم أن ابن رشد لم يترك القراءة والنظر في الكتاب إلا ليلة وفاة أبيه أو ليلة زواجه. ولم يكن هو الوحيد في تاريخنا بل أمثاله كثر وما هذا التراث الضخم في مختلف المجالات إلا نتيجة اجتهاد ومواظبة لتحصيل العلم والمعرفة، ولكن للأسف إن التراجع المهول الذي حصل داخل مجتمعاتنا الحالية قد يجعلنا في مؤخرة الشعوب.
وقد نصاب بالدهول عندما نرى أن أسلافنا قد تركوا لنا ذلك الإنجاز الضخم، وقد نتساءل كم من الوقت تم تصريفه في تأليف مثل هذه الكتب التي مثلت تراثنا وشخصيتنا وجعلتنا نتميز عن غيرنا، ولذلك ليعلم الجميع أن بناء الحضارة لا يمكن أن يأتي اعتباطياً أو ننتظر من غيرنا أن يحقق لنا ما نريده ،وأصبحنا نقضي معظم أوقاتنا في الأمور التافهة التي تدل أننا أضحينا نعيش على هامش التاريخ، ولذلك إن طرح مثل هذا السؤال العنوان يدل أننا نمر من لحظة بؤس ثقافي ،لأننا تخلينا عن دورنا الحضاري في البناء والتربية، فعندما تغيب القراءة يغيب العلم ويصبح المجتمع معرضاً للاختراق والإشاعات لأنه فقد وسيلة التحصين والمناعة فكيف سيواجه مناورات الأعداء التي تريد اقتلاعه من جذوره من أجل السيطرة عليه. والغريب أن كثيرا من مجتمعات العالم الثالث التي تسودها الأنظمة الاستبدادية تسعى جاهدة إلى الترويج لسياسة التجهيل والدعوة ليتبوأ التافهون المشهد ومراكز التوجيه، وأن خشية الأنظمة الاستبدادية من الثقافة واضحةً جليةً لأن نشر الوعي التحرري يشكل خطورة عليها ،وهذا هو السر في محاربتها للفكر لأنه يعمل على كشف وتبيان عوراتها، ولم تعلم هذه الأنظمة أن العلم والتعلم عنوان التقدم، وأنه عندما يسود الجهل تعم المصائب فالعلم أساس التنمية ،ولا يمكن لأي نهضة اقتصادية أن تتم بدون قاعدة علمية. ويتأسف الإنسان عندما يصبح تبخيس العلم والاستخفاف به وبالمعرفة والتشكيك في دور المدرسة شعارا توظفه المجتمعات الفاشلة لتحقيق أهداف معينة من بينها تدمير القيم والأخلاق، وهكذا يفقد المجتمع هويته ويصبح ظاهرة صوتية لأنه فقد الحصانة والمتانة التي تجعله يستمر .وقد ينتاب الإنسان الامتعاظ عندما يرى أن محلات بيع الكتب تحولت إلى أمكنة لتهيئة الأكلات الخفيفة لأن مصدر المعرفة في المجتمعات الفاشلة لم يعد هو قراءة الكتاب بل وسائل الإعلام التي أصبحت بديلا عنها.
لكن ما هي تجليات او مظاهر غياب القراءة داخل المجتمع ؟اوكيف يمكن التعرف على مستوى شعب من الشعوب من الناحية المعرفية والأخلاقية؟
الإجابة على هذا السؤال ينبغي النظر إلى مستوى الألفاظ التي يتحدث بها الناس لأن اللغة تعبر عن العقلية السائدة في المجتمع لأن طريقتنا في الكلام هي طريقتنا في التفكير ،فنحن نتكلم كما نفكر ونفكر كما نتكلم، وهذا أمر معروف عند فلاسفة اللغة، ومن ثم إن اللغة تعكس مستوى الوعي الحقيقي لأي شعب من الشعوب من خلال الكلمات المتداولة بين الناس والتي تتلفظ بها ألسنتهم، ولذلك تعد اللغة مقياسا للثقافة والوعي الذي يسود المجتمع ،لأن الكلمات تعبر عن المضمون الفكري والأخلاقي للذين يوظفونها فكلما كانت راقية فهي تمثل النضج الفكري والأخلاقي وكلما كانت تلك الكلمات المستعملة هابطة ساقطة فهي تجسد مدى الانحطاط الذي يسود المجتمع فانظر إلى أحوال الناس فبأي أسلوب يتحدثون؟ وانظر إلى مستوى الخطاب عند الطبقة السياسية لتعرف بعد ذلك كيف كان غياب القراءة سببا في تراجعه؟ فكيف تتم معالجة كثير من القضايا الاجتماعية والحالة هذه؟
