بيان المركز المغربي لحقوق الانسان بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان

بمناسبة تخليد العالم للذكرى السابعة والسبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي سياق وطني ودولي بالغ التعقيد، يتابع المركز المغربي لحقوق الإنسان ببالغ القلق استمرار مظاهر التراجع في أوضاع الحقوق والحريات الأساسية ببلادنا، واتساع الهوة بين الالتزامات الدستورية والاتفاقية للمغرب من جهة، والواقع الفعلي للسياسات العمومية والممارسات الميدانية من جهة أخرى.
لقد شكلت سنة 2025 محطة إضافية في سياق تزايد الضغوط الاجتماعية، واتساع الفوارق، وتعاظم مطالب الكرامة والعدالة الاجتماعية، مقابل غلبة المقاربة الأمنية والتعسف في القرارات الإدارية وهيمنة لوبيات اقتصادية على حساب الفئات الضعيفة.
أولا: تدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية – اتساع الفوارق وهيمنة اللوبيات
شهدت سنة 2025 تفاقما مقلقا في تدهور الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من المجتمع المغربي. فقد أدى التضخم المتواصل، والارتفاع المتعمد لأسعار المحروقات، وهيمنة لوبيات المحروقات والأدوية والتأمينات وقطاعات اقتصادية أخرى، إلى ضغط غير مسبوق على القدرة الشرائية لدى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
ورغم البرامج الحكومية في مجال الحماية الاجتماعية، ظل الواقع بعيدا عما يتم الترويج له، حيث تظهر المعطيات استمرار:
• هشاشة الخدمات الصحية العمومية وفرار الأطر الطبية إلى القطاع الخاص او إلى الخارج، بالإضافة إلى تجاوزات القطاع الصحي الخاص خارج نطاق المساءلة والمحاسبة.
• ضعف جودة التعليم واتساع الفجوة بين التعليم العمومي والخصوصي.
• تعثر برامج محاربة الفقر وتراجع الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر.
• اعتماد سياسات الهدم دون بدائل كافية، مع إقصاء العديد من المواطنين من التعويض لأسباب غير موضوعية.
ثانيا: الحقوق المدنية والسياسية – استمرار المقاربة الأمنية وتراجع الثقة
يسجل المركز بقلق كبير استمرار النهج الأمني في التعامل مع قضايا الرأي والاحتجاج السلمي، واعتماد المتابعات القضائية على فصول فضفاضة تستعمل لتقييد حرية التعبير. كما سجلت:
• اعتقالات ومحاكمات مرتبطة بآراء ذات حمولة سياسية مصاغة ومنشورة بشكل عفوي في وسائل التواصل.
• استعمال القوة المفرطة في فض الاحتجاجات، خصوصا احتجاجات “جيل Z 212”.
• استمرار اعتقال نشطاء سياسيين ومدونين، رغم سلمية نشاطهم.
• توسع ظاهرة التشهير الرقمي واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان.
ثالثا: أزمة الحكامة ومكافحة الفساد – تشريعات تعطي حصانة لا مساءلة
يعبر المركز عن رفضه القاطع لتفعيل المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية، لما تشكله من:
• تعطيل لدور المجتمع المدني في التبليغ عن الفساد.
• منح حصانة شبه مطلقة لمرتكبي جرائم المال العام.
• إضعاف استقلالية النيابة العامة.
• تقويض مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن مكافحة الفساد تتطلب إرادة سياسية وتشريعات شفافة، لا قوانين تغلق الأبواب أمام القوى الحية والمبادرات المواطِنة.
رابعا: وضعية الصحافة وحرية التعبير – شلل تنظيمي وتضييق ممنهج
يشهد قطاع الصحافة في المغرب أزمة عميقة تتمثل في:
• الجمود الذي يعيشه المجلس الوطني للصحافة، وتعويضه بلجنة مؤقتة غير منتخبة.
• اختلالات سلوكية وأخلاقية في تدبير اللجنة المؤقتة لمعالجة ملفات الصحفيين كما كشفت عنه “فضيحة التسريبات”.
• ضعف حماية الصحافيين واستمرار متابعة بعضهم بسبب آرائهم.
• غياب إطار قانوني واضح لحماية المبلغين والصحافة المستقلة.
خامسا: وضعية السجون – الاكتظاظ وتراجع الخدمات وغياب البدائل
يسجل المركز:
• ارتفاعا غير مسبوق في الاكتظاظ داخل السجون.
• ضعف الخدمات الصحية وغياب أطباء وممرضين داخل المؤسسات السجنية.
• توسع ظاهرة الاعتقال الاحتياطي.
• محدودية البدائل العقابية رغم الحاجة الملحة إليها.
سادسا: تدبير الكوارث – زلزال الحوز نموذجا صارخا لضعف الحكامة
شكل زلزال الحوز (2023) امتحانا حقيقيا لقدرة الدولة على إدارة الأزمات. وبعد مرور أكثر من سنة ونصف، لا تزال آلاف الأسر:
• دون سكن لائق،
• ودون رؤية واضحة لوتيرة إعادة الإعمار،
• وفي غياب تام للشفافية والتواصل.
• مع تدبير للأزمة يتسم بالارتباك وضعف التنسيق وغياب الحكامة التشاركية .
سابعا: المجتمع المدني – تضييقات متزايدة وتقليص للفضاء المدني
يسجل المركز استمرار عراقيل غير مبررة في:
• تأسيس الجمعيات أو تجديد هياكلها،
• الحصول على وصولات الإيداع،
• تنظيم الأنشطة والندوات.
هذا التضييق يضرب جوهر المشاركة المدنية المنصوص عليها دستوريا ودوليا.
وعليه، وانطلاقا من مسؤوليته في رصد وتقييم جالة حقوق الإنسان بالمغرب، فإن المركز المغربي لحقوق الإنسان يؤكد ما يلي:
- رفضه استمرار المقاربة الأمنية في التعامل مع مطالب اجتماعية مشروعة.
- الدعوة إلى مراجعة القوانين التي تمس حرية التعبير، وعلى رأسها المادتان 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية.
- تحرير المجال الإعلامي عبر انتخاب نزيه وشفاف لمجلس وطني شرعي للصحافة وإقرار آليات فعالة لضبط القطاع.
- إطلاق سراح كافة معتقلي الاحتجاجات السلمية والرأي.
- مراجعة السياسات الاقتصادية التي تغذي الاحتكار وتعمق الفوارق الاجتماعية.
- تبني استراتيجية وطنية شاملة لمناهضة الفساد وفق المعايير العالمية المعترف بها.
- إشراك المجتمع المدني في وضع ومراقبة السياسات العمومية.
- تعزيز العدالة الاجتماعية عبر سياسات جبائية منصفة وإصلاح عميق لقطاعي الصحة والتعليم.
- إصلاح شامل لمنظومة السجون وتفعيل البدائل العقابية.
- إرساء حكامة فعالة في تدبير الكوارث تقوم على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن المغرب في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مقاربة حقوقية شجاعة تعيد الاعتبار لكرامة المواطن، وتعلي من شأن القانون، وتضع الإنسان في قلب السياسات العمومية.
وإذ يجدد المركز المغربي لحقوق الإنسان التزامه بالدفاع عن الحقوق والحريات، فإنه يدعو إلى جعل سنة 2026 سنة للقطع مع التردد والوعود غير المكتملة، وللانطلاق نحو مرحلة جديدة قائمة على الحرية، العدالة، الكرامة، الشفافية وسيادة القانون.
المكتب التنفيذي للمركز المغربي لحقوق الإنسان
حرر بالرباط بتاريخ 10 دجنبر 2025
