منصة الشباب بالطنطان… مشروع معلّق بين البنية الجاهزة والعجز عن التفعيل بالكامل.

بقلم : عبد الرحيم الأطرش
في مدينة تعاني اختناقات اجتماعية وبطالة مرتفعة في صفوف الشباب، كان من المفترض أن تشكل “منصة الشباب بالطنطان” رافعة تنموية حقيقية، قادرة على إحداث تحول في علاقة الدولة بالشباب، عبر آليات الدعم والتكوين والمواكبة. غير أن الواقع اليوم يبرز وجها آخر للمشروع: بناية جاهزة، تجهيزات مهيأة، برامج محدودة، والأسئلة تتكاثر دون أجوبة مقنعة.
مشروع طموح… أم نسخة مشوهة من التصور المركزي؟
تندرج منصة الطنطان ضمن برنامج الجيل الجديد من المبادرات في إطار المرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي مقاربة تهدف إلى إحداث فضاءات حية لاحتضان مبادرات الشباب، خاصة في مجالات ريادة الأعمال، التكوين المهني، المجال الرقمي، والأنشطة الثقافية والرياضية.
لكن ما يبدو واضحا هو أن نقل هذا التصور من المستوى المركزي إلى الواقع الترابي لم ينجح بالشكل المطلوب. ففي الطنطان، انطلقت الأشغال وانتهت، وتم تجهيز الفضاء، لكن المنصة ظلت شبه جامدة، تفتقر إلى برمجة مندمجة، وإلى رؤية واضحة للانفتاح على محيطها الاجتماعي والاقتصادي.
إشكالية الحكامة الترابية… وموقع عامل الإقليم
إن ما يحصل في الطنطان يعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة في تنزيل المشاريع التنموية. إذ لا يكفي أن تكون المنصة منجزة تقنيًا حتى تعتبر مفعلة،فغياب الإرادة في إشراك المجتمع المحلي، وتحديد الحاجيات الحقيقية، وعدم مواكبة المشروع بآليات تسيير ناجعة، يجعل منه جسدا بلا روح.
في هذا السياق، تطرح المسؤولية المباشرة على عاتق عامل إقليم الطنطان، باعتباره السلطة الإقليمية المفوضة بالسهر على حسن تنفيذ المشاريع الممولة من المال العام. كما أن موقعه الاستراتيجي يجعله مطالبا بتفعيل أدواره التنموية، لا فقط من خلال التتبع الإداري، بل بالإنصات الميداني وتفعيل المقاربة التشاركية.
إن الحاجة اليوم ملحة لأن يلعب العامل دور الوسيط والمحفز، وأن يتفاعل مع مطالب الشباب، ويعيد ترتيب أولويات هذا المشروع، بما يضمن استجابته للواقع المحلي لا فقط للخطط المركزية.
ما العمل؟ بين إعادة التوجيه وإعادة الثقة
إذا استمرت منصة الطنطان على هذا النهج، فستتحول من فرصة إلى عبء،فالمطلوب اليوم ليس مجرد فتح الأبواب، بل إعادة هيكلة التوجه العام للمنصة، عبر توسيع قاعدة المستفيدين، وخلق برمجة فعلية، وضمان حكامة محلية تتقاطع فيها كفاءة التدبير مع شرعية الإنصات.
وإذا كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قد دشنت مرحلة ثالثة تقوم على تقوية الرأسمال البشري، فإن ذلك لا يمكن أن يتحقق دون فهم دقيق للواقع المحلي، ودون مساءلة مستمرة لفعلية وفعالية المشاريع على الأرض.
ما تعيشه منصة الشباب بالطنطان ليس حالة معزولة، بل نموذجا مصغرا لتحديات أعمق ترتبط بتنزيل السياسات العمومية على المستوى الترابي،فبين منطق الإنجاز الورقي ومنطق الأثر الواقعي، تقف مشاريع مثل هذه المنصة على حافة الفشل ما لم تُواكب بإرادة سياسية حقيقية، وتدبير منفتح وفعال، وقدرة على تكييف التصورات المركزية مع نبض المجتمع المحلي.
في الطنطان، كل الشروط متوفرة لبداية جديدة، وحده الإنصات، والجرأة في إعادة التوجيه، والحكامة الحقيقية، يمكن أن تعيد الثقة، وتمنح لهذه المنصة حياتها الموعودة.
