أخبارأخبار الطانطانأخبار وطنية

الحسين باتا..رأي في قضية الرحل


بقلم: الحسين باتا

ما إن أرسل الله الغيث إلى بعض نواحي ملكه، وارتدت الأرض زينتها، حتى كثر اللغط على إيقاع السخط في جانب من يتشدقون دهرا بأن الوطن للجميع، لكنهم فشلوا في أول تمرين للمواطنة، فمقولة الوطن للجميع صحيحة في عرفهم ما داموا يستغلون ثرواته في كل البقاع، حين تكون أسماك الصحراء أسماكهم ويكون فوسفات بوكراع فوسفاتهم، ويكون كمأ “ازويليلة” و”تيارت” و”لوجة الريمينثا” و”السكن” و”لحمادة” حلالا طيبا لهم، ويكون التقاطها حقا من حقوقهم، لكن حين يتعلق الأمر ببعض الحشائش التي تنمو في المناطق الرعوية في مناطق استقرارهم، تلك التي يحتاجها الكسابة الرحل علفا لماشيتهم، والتي نمت بفضل من الله ومنته، فإن هؤلاء الكسابة الرحل تنزع عنهم سمة الوطنية، وتلصق بهم تهم جاهزة من مثل: الإرهابيين و الانفصاليين والمعتدين والهمج والخارجين عن القانون، وينعتهم البعض بكونهم”شركات للرعي” في تلميح إلى عدم حاجتهم للترحال لأنهم يمتلكون ثروات طائلة -حسب زعمهم-، وغيرها من النعوت الغريبة الصادرة عن نفوس غارقة في الأنانية والحقد والحسد…
ولم يخلو المشهد الغريب هذا من مواقف رعناء لبعض أشباه السياسيين الذين يحاولون بخبث الظهور بمظهر المنافحين عن سكان جبال أيت بعمران وبعض دواوير أرض سوس، والمدافعين عن حق المستقرين وحدهم في الاستفادة مما تنبته الأرض من الكلأ، ويكون من السهل ها هنا أن يتهموا الرحل بالاعتداء على مزارع المستقرين، وإتلاف شجر الأرگان، ولتأكيد اتهاماتهم يرفقون هذه السردية البائسة بصور لسيارات الدفع الرباعي ولأصحابها ممن لفحت الشمس وجوههم لطول ترحالهم، ونحلت أجسادهم بفعل معاناتهم مع تقلبات الطبيعة وسنوات الجفاف من أجل حماية رأسمالهم/قطعانهم، وللحفاظ على أسلوب عيشهم الذي توارثوه منذ قرون (الترحال كنمط للعيش)، ولحمق هؤلاء الأنانيين وأبواقهم الصدئة من أشياه السياسيين وأشباه الاعلاميين وحثالة القراديات الملتصقة بالعمل الجمعوي فإنهم يتوهمون قدرتهم على التأثير في الرأي العام الوطني وتصوير الرحل بمظهر الخارجين على القانون والمتحدين للسلطة، لكن هيهات هيهات…
حسنا، ليهدأ الجميع، وليحتكم الجميع إلى العقل والمنطق، فإن كان من حق أي كان، من مختلف مناطق البلاد أن يتوجه لصيد السردين في الطنطان، والحبار في الطرفاية وسمك القرب في العيون والدوراد في بوجدور والسيبيا في الداخلة، وإن كان من حق أي كان أن ينقب -في إطار القانون طبعا- عن الذهب في إمطلان، ويلتقط الكمأ في مواطنه، ويستنبت الطماطم والخيار والبطيخ في نواحي واد الذهب، وغيرها من الموارد في مختلف البقاع، فمن حق الكسابة الرحل أن يرتحلوا بقطعانهم أينما صب المزن، وأينما نبت الكلأ، في احترام تام لمزارع المزارعين وأملاكهم، وعلى هؤلاء المزارعين أن يعملوا على تسييج مزارعهم لحماية مزروعاتهم، ولتسهيل عمل الكسابة الرحل، فإن حدثت في الماضي، أو في الحاضر حوادث متفرقة لدخول قطعان الأغنام أو الماعز أو الإبل إلى ضيعة أحدهم فإن الأمر مرفوض شرعا وقانونا وأخلاقا، وهي حوادث سببها الإهمال ـ لا سبق الاصرارـ من الطرفين، إهمال الكساب الذي غفل عن قطيعه، وإهمال المزارع الذي لم يسيج أرضه…
وختاما، فإني أطلب من الجميع تهدئة النفوس، والإيمان بحق جميع أبناء الوطن في الاستفادة من موارد هذا الوطن، سواء كانت ذهبا أو حشائشا…
أطلب من المزارعين تسييج أراضيهم، وتسهيل مأمورية هؤلاء الرحل لتنمية قطعانهم بعد سنوات عجاف طويلة، والاقتناع بأن لهم حق ملكية الأراضي الزراعية ولهم حق استغلالها بالوجه الذي يناسبهم، لكن الحق في استغلال الأراضي الرعوية مكفول لجميع المواطنين بلا استثناء…
وأطلب من الكسابة الرحل، اليقظة الكاملة وضبط قطعانهم. فالسهو عنها للحظة قد يعني تخريب هكتارات من المزروعات، ولا أعتقد بأن مروءة البدو تسمح لأي منهم بالاعتداء -عن سبق إصرار- على ممتلكات أي كان…
وأطلب من السلطة، الاستمرار في تعاملها الايجابي بعدم الانحياز لغير المتضرر الفعلي، لا الحقود الحسود المتشبع بالعنصرية المقيتة، الذي يعتبر كل وافد على المجال دخيلا يستحق التمييز والنبذ والاقصاء…وإن حدث أي اعتداء -ولن يكون غير حالة معزولة إن وجد- فيلزمها ترتيب الجزاءات بما يتناسب مع نوع الاعتداء وأثره…
وأطلب من أشباه السياسيين وأشباه الاعلاميين أن يبحثوا عن “البوز’ في مواضيع أخرى، وبأن يرجعوا عن غيهم، وان يعودوا إلى رشدهم، فإن نفخهم في الكير لن يوصل لغير إضرام النار في وشائج وعلاقات تاريخية تمت إدارتها طوال قرون بحكمة من طرف الحكماء، قبل أن “تتلى العدة فيد الشمايت”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Что произойдет, если Почему любовь к себе определяет любовь к