
بقلم : عبد الكريم غيلان
في خضمّ بحرٍ متلاطمٍ من الظلم، حيثُ تتراقصُ أمواجُ الطغيانِ فوقَ شواطئِ العدالة، تُسدلُ الظلمةُ أستارها على مشهدٍ يمزّقُ نياطَ القلب ويُدمي الفؤاد. إنّهُ انتهاكٌ صارخٌ، لا يلتفتُ لقوانينَ دوليةٍ أو أعرافٍ إنسانية، بل يتجاوزُ كلَّ حدٍّ أو قيد، ليرويَ فصلاً جديدًا من فصولِ القهرِ الذي لا ينتهي.
وعلى لسانِ مصطفى البقالي، شقيقِ الإعلاميِّ القديرِ محمد البقالي، الذي يصدحُ صوتُه بالحقِّ من منبرِ “الجزيرة” الشامخ، جاءتْ الروايةُ كالصاعقة: لقد اختطفتْ أيادي الاحتلالِ الغاشمةِ صحافيًّا مغربيًّا كان يؤدّي رسالتَه الساميةَ فوقَ أمواجِ البحرِ الزرقاء. محمد البقالي، مراسلُ “الجزيرة”، لم يكنْ وحدهُ على متنِ سفينةِ “حنظلة” التي شقّتْ عبابَ الماءِ متّجهةً إلى غزة، بل كان يرافقهُ كوكبةٌ من النشطاءِ الأحرار، الذين حملوا على عاتقهم مهمةً إنسانيةً نبيلة: كسرَ حصارٍ ظالمٍ وتجويعٍ قاسٍ ألقى بظلالِهِ السوداءِ على أهلِ غزة. فكانَ مصيرُهم أن يصبحوا ضحيةً أخرى لقرصنةٍ بغيضةٍ وعدوانٍ سافر، في مشهدٍ يتردّدُ صداهُ في أرجاءِ الضميرِ العالمي.
إنّنا، من هذا المنبرِ الذي يصدحُ بالحقّ، نُلقي بالمسؤوليةِ كاملةً، مسؤوليةً ثقيلةً كجبالِ الشوق، على عاتقِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ عن سلامةِ محمد البقالي، وسلامةِ كلِّ نفسٍ حُرّةٍ اختُطفتْ على متنِ تلكَ السفينةِ التي حملتْ الأمل. إنّ احتجازَ صحافيٍّ كانَ يمارسُ مهامَهُ التغطويةَ في المياهِ الدوليةِ، هو جريمةٌ لا يمكنُ أن تمرّ مرورَ الكرام، انتهاكٌ صارخٌ لحريةِ الصحافةِ التي هي شريانُ الحياةِ لأيِّ مجتمعٍ ينشدُ النور، وحقٍّ أصيلٍ في نقلِ الحقيقةِ التي هي بوصلةُ البشرية.
الزميلُ محمد البقالي، الذي تشرفنا بالتعرف عليه عن قرب ،ذلكَ الاسمُ الذي ارتسمَ في ذاكرتنا كشمسٍ ساطعةٍ خلالَ الدورةِ التدريبيةِ التي قدّمتْها “الجزيرة” للمهتمين بالإعلام بسيدي إفنيَ في شهرِ أبريلَ الماضي، ليسَ مجردَ حبرٍ على ورق. إنّهُ نبضٌ ينقلُ معاناةَ شعبٍ محاصرٍ بأسوارِ الظلم، وعينٌ لا تغفلُ عن رصدِ الانتهاكاتِ وفضحِها. إنّ اختطافَهُ هو محاولةٌ يائسةٌ لإسكاتِ هذا الصوتِ الصادحِ بالحقّ، وتعميمِ تعتيمٍ كثيفٍ على ما يجري في غزةَ الجريحة.
لقد آنَ الأوانُ للمنظماتِ الحقوقيةِ والإعلاميةِ الدوليةِ أن تتجاوزَ حدودَ الإدانةِ اللفظيةِ التي غدتْ كصوتِ الرعدِ بلا مطر، وأن تتحرّكَ بشكلٍ عاجلٍ وفعّال، وأن تضربَ بيدٍ من حديدٍ على طغيانِ الاحتلالِ الإسرائيليّ، ليمارسَ أقصى الضغوطِ الممكنةِ لإطلاقِ سراحِ محمد البقالي وجميعِ النشطاءِ فورًا ودون قيدٍ أو شرط. إنّ صمتَ المجتمعِ الدوليِّ، هذا الصمتَ المخيفَ الذي يشقُّ الفضاءَ، يعني الموافقةَ الضمنيةَ على هذهِ الجرائم، ويشجّعُ الاحتلالَ على التمادي في انتهاكاتِهِ التي لا تتوقفُ كأمواجِ البحر.
كما نطالبُ الدولةَ المغربيةَ، هذا الوطنَ الذي يغارُ على أبنائه، بأن تقومَ بواجبِها الوطنيِّ في حمايةِ أحدِ أبنائها العاملينَ في مهنةِ الصحافةِ الشريفة. يجبُ على الدبلوماسيةِ المغربيةِ أن تتحرّكَ بكلِّ ثقلِها الذي يعادلُ ثقلَ جبالِ الأطلس، وأن تدافعَ عن حقِّ محمد البقالي في التغطيةِ الحرةِ والآمنة، وأن تضمنَ عودتَهُ سالمًا غانمًا إلى ترابِ وطنهِ وأحضانِ أهلهِ وذويه. إنّ دعمَ الصحافيينَ وحمايتَهم هو واجبٌ أخلاقيٌّ ووطنيٌّ لا يُدانيهِ واجبٌ آخر، فحريةُ الصحافةِ هي ركيزةٌ أساسيةٌ وأرضٌ خصبةٌ لأيِّ مجتمعٍ ديمقراطيٍّ ينشدُ الرقيَّ والازدهار.
إنّ ما تعرّضَ لهُ محمد البقالي ورفاقُ دربِهِ الأحرارُ هو اعتداءٌ سافرٌ على الإنسانيةِ جمعاء، وعلى كلِّ روحٍ تؤمنُ بقيمِ العدالةِ التي هي ميزانُ الكون، وحريةِ التعبيرِ التي هي صوتُ الضمير. إنّ سفينةَ “حنظلة” لم تكنْ تحملُ سوى بارقةِ أملٍ تشقُّ ظلامَ اليأس، ورسالةٍ إنسانيةٍ نقيةٍ كقطراتِ الندى، ولكنها اصطدمتْ بوحشيةِ الاحتلالِ الذي لا يراعي قوانينَ أو أعرافًا، بل يتغذّى على الظلمِ والطغيان.
في هذهِ اللحظةِ العصيبةِ التي تئنُّ فيها القلوبُ من الألم، نعلنُ تضامنَنا الكاملَ وغيرَ المشروطِ مع الصحافيِّ الأبيِّ محمد البقالي، ومع جميعِ نشطاءِ سفينةِ “حنظلة” الذين حملوا مشاعلَ النورِ في ظلماتِ الظلم. قلوبُنا ودعواتُنا معهم، ولن يهدأَ لنا بالٌ ولن يغمضَ لنا جفنٌ حتى نراهم أحرارًا يرفلونَ في ثيابِ الحرية. إنّ صوتَ الإنسانيةِ لن يُصمتَ أبدًا، وسيبقى نورُ الحقيقةِ ساطعًا، يُبدّدُ غياهبَ الظلام، ويُشعلُ شموعَ الأملِ في كلِّ قلبٍ يؤمنُ بالعدلِ والحرية.
