أخبارأخبار الطانطان

تنسيقية الاندية التربوية طانطان :تقرير وصفي للجلسة المعرفية “الفلسفة وإيديولوجية الدولة “

في سياق بعث الحياة في المدرسة المغربية، وجذب المتعلمين إليها، وتتمة لسلسلة الأنشطة التربوية، نظمت تنسيقية الأندية التربوية (التي تضم نادي الفلسفة والتربية على القيم “ثانوية محمد الخامس التأهيلية”، نادي الفكر والتواصل “ثانوية القدس التأهيلية”، نادي التربية على المواطنة وحقوق الإنسان “ثانوية بن بطوطة التأهيلية”، نادي الفاعلية والإبداع “ثانوية الشيخ محمد الأغظف”) محاضرة فكرية مائزة، اختارت لها عنوان “الفلسفة وإيديولوجية الدولة”، أطرها الأستاذ الباحث ومدرس الفلسفة سابقا ابراهيم الناية، وسيرها مدرس مادة الفلسفة البشير الداودي، وقرر لها مدرس المادة نفسها ياسين الساحي، وذلك يوم الجمعة 07/12/5017، بثانوية محمد الخامس التأهيلية، ابتداء من الساعة الرابعة إلى الساعة السادسة، وقد شهدت هذه المحاضرة حضور نخبة من السادة الأساتذة على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، وعددا مهما من التلاميذ ممثلي ومنخرطي الأندية التربوية، الذين أغنوا بأسئلتهم وإضافاتهم وتفاعلاتهم سيرورة النقاش. وفيما يلي تقرير مفصل لما ميز هذه الندوة من فترات :
– افتتاح السيد المسير الندوة بالترحيب بالحضور الكريم، واضعا اياه في سياق الغاية من تنسيقية الأندية التربوية، وبشكر كل من أسهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذه الحلقة المعرفية؛ أندية وإدارة وأساتذة وتلاميذ. ليعطي الكلمة بعدها لتلميذة ممثلة لنادي الفاعلية والإبداع قصد تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم.
– بعد هذه الوقفة القرآنية، مُنحت الكلمة لمؤطر الندوة الأستاذ الباحث ومدرس مادة الفلسفة سابقا ابراهيم الناية، وإليكم مداخلته :
بعد تحية الإسلام، أنوه في البداية إلى أنني لن أتناول موضوع “الفلسفة وإيديولوجية الدولة” من المنظور المعاصر أو المنظور الحديث (ماكس فيبر، كارل ماركس، امانويل كانط…)، بل سأتناول علاقة الدولة بالفلسفة كإيديولوجيا ضمن إطار عام وهو العالم الإسلامي في العصر الوسيط تحديدا، وتناولي لهذا الموضوع سيكون من خلال عتبة إستفهامية، أرى أنه من الضروري بداية أن ابدأ بها، لتأطير الموضوع في سياق محدد؛ فلماذا ترجمت الفلسفة اليونانية إلى العربية؟ هل ترجمتها يعود إلى مشاكل داخلية يمكن حلها بناء على الفكر اليوناني ؟ ولماذا تحديدا المجتمع الإسلامي ؟ هل ذلك معناه رفضه للتأمل العقلي أم أن في الأمر حكاية أخرى ؟ وكيف يتأثر الغالب (المجتمع الإسلامي) بالمغلوب (باقي المجتمعات) ؟ وما دور الخطاب القرآني في هذه المرحلة ؟ أليس وضعنا الحالي تكرار للوضع السابق ؟، حيث لم نستورد سوى أفكار الغير، وما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المعرفة حتى تكون عقلانية ؟ وهل كل معرفة مناقضة للدين معرفة عقلانية ؟ وهل الفلسفة دخلت إلى اليونان أم ادخلت ؟ وهل انتقلت انتقالا عاديا أم نقلت ؟ هل أتت أم أوتي بها ؟…كلها اسئلة ستعيننا على فهم وإستيعاب علاقة الدولة بالفلسفة كإيديولوجيا في العالم الإسلامي الوسيط؛ خصوصا في العصر العباسي (بلاد المشرق العربي) والعصر الموحدي عهد ابن تومرت (بلاد المغرب والأندلس).
قبل الإجابة عن هذه التساؤلات، لابد أولا من بسط خصائص الفلسفة اليونانية ومقارنتها بروح الإسلام، لاستنطاق الفروقات بينهما؛ أولها، أن الفلسفة اليونانية تقول بقدم العالم، يقول أرسطاليس الهيولة، وهي لفظة يونانية معناها مادة، ليست حادثة لأنها لو كانت حادثة لحدثت عن موضوع في حين أنها هي الموضوع الذي تحدث عنه الأشياء، وهذا يتناقض مع المعتقد الإسلامي الذي يرى أن الله جل جلاله هو الذي خلق العالم بمعنى أن العالم حادث أي مخلوق، ونجد أن المتفلسفة المسلمين؛ ك “الفرابي وابن سينا وابن رشد”، قالوا بأن العالم قديم، فإبن رشد مثلا يقول العالم نشأ عن فاعل وفعل قديمين، يعني الله قديم وفعله قديم معه، والفرابي اعتبر أن وجود العالم مرتبط بوجود الله منذ الأزل، وتقدم وجود الله على وجود العالم كتقدم حركة اليد على الخاتم، لذلك جاء الغزالي في كتابه “تهافت التهافت” وكفرهم في ثلاث مسائل؛ قولهم بقدم العالم، وقولهم أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، وسيرد عليهم “الأشعري” أفعال الإنسان كلها جزئيات فكيف سيحاسب الله الناس وهو يجهلها، ثم قولهم بحشر الأرواح دون الأجساد. ثانيها أن الفلسفة اليونانية تقدس النظر أي التأمل العقلي، فالمجتمع اليوناني يقدس النظر ويحتكر ما هو حسي، ما هو واقعي، فالتأمل عندهم للسادة والعمل للعبيد، فالعمل الحسي التجريبي لا يتلاءم في نظر الفكر اليوناني إلا مع طبيعة العبيد، وهذا يتنافى مع المنطوق الإسلامي الذي يعتبر العمل وسيلة لكسب الرزق. ثالثها أن الفكر اليوناني تسوده الروح التشاؤمية والمأساة، فعندما نقرأ (على حد تعبير “طه حسن” في كتابة “قادة الفكر”) الإلياذة والأوديسة نجد هذا حاضرا بقوة، وهذا يتنافى مع الروح الإسلامية التي تتأسس على التفاؤل، ويرى أن الإنسان يلعب دورا وفعالية إيجابية في الوجود. رابعها أن الفكر اليوناني تسوده الخرافات والأساطير لأنه تفكير ميتافيزيقي، فاليونانيين يقدسون الأشكال الدائرية، يقولون كذلك من عقائدهم “الموت جفاف الجسد”، وهي تلك الأسطورة التي حاول “طاليس الملطي” أن يعقلنها، عقلنة الأسطورة وليس إحداث قطيعة معها، حينما قال أن الماء هو أصل الكون، كما نجد “ديموقريطس” الذي تأثر به “كارل ماركس” يرى أن الحياة مجموعة من الدرات وعندما تنتهي تلك الدرات تنهي الحياة، ونجد “افلاطون” يقسم العالم إلى قسمين؛ عالم الواقع وعالم المثل، معتبرا البشر مجرد ظلال وأشباح وليسوا حقائق، وهذا النوع من التفكير مرفوض في المنطوق الإسلامي لأن الإسلام قد وضع قطيعة مع التفكير الميتافيزيقي، وحدد مجموعة من العقائد، ثم انصرف بعدها الناس إلى الحياة والعمل. خامسها أن اليونانيين لا يعرفون فكرة الإله الواحد بل يؤمنون بتعدد الآلهة، أما الإسلام فالحياة فيه فتتأسس على التوحيد أي فكرة أن الله واحد. سادسها هو أن اليونانيين لا يعترفون بأن البشر خلقوا من نوع واحد، نجد أفلاطون في كتابه “ألجمهورية” يقول أن هناك من صنع (وليس من خلق) من ذهب وهو يتولى أعلى المراتب، وهناك من صنع من فضة وهناك من صنع من حديد ونحاس، في حين في المنظور الإسلامي كلكم من آدم وآدم من تراب. سابعها الطبقية، فالمجتمع اليوناني مجتمع طبقي؛ السادة والعبيد، وفي هذا الإطار يقول “أرسطو” في كتابه “الأخلاق إلى نيقوماخوس” إن العبد أداة من أدوات المنزل وليس بشر، وهذا النوع من الطبقية لا يحضر في الإسلام، فمعيار الطبقية بالتقوى، مصداقا لقول الله جل جلاله “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. ثامنها الحياة في المجتمع اليوناني تتأسس على عبودية البشر للبشر، فالفلسفة عند الرواقيين هي الصبر على الألم، اي التحمل، وهي الفكرة التي نسبها الرومان للمسيح، فإذا ضربك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر، فالفيلسوف “ابكتيت” كان عبدا، وكان يعذبه سيده، وهم لقطع ساقه، فقال له مهلا عليك إنك ستكسر رجلي، فلما كسرها، قال له في برودة أعصاب : ألم اقل لك أنك ستكسر رجلي؟، في حين أن العبودية في المجتمع الإسلامي هي لله دون سواه.
عموما، تلك هي خصائص الروح اليونانية التي عبرت إلى المسلمين حين عمل على ترجمتها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المفكر “ابراهيم بوين مذكور” حينما كتب “أورغانون ارسطو” أو المنطق الأرسطي في العالم الإسلامي، سماه بالفتنة اليونانية، فهو يتأسس على أربعة قوانين؛ قانون الهوية، قانون عدم التناقض، قانون الثالث المرفوع، قانون العلة، ويتميز بأربعة خصائص؛ الخاصية الأولى أنه منطق ميتافيزيقي غيبي، ويحمل في ذاته خصائص اللغة اليونانية، وقد حاول الفرابي توظيف المنطق الأرسطي في تقنين اللغة العربية، والخاصية الثانية أنه يساعد على الجدل وليس على الابتكار بتعبير ديكارت، والخاصية الثالثة أنه منطق عقيم، لأن نتائجه متضمنة في مقدماته عكس المنطق المعاصر الذي لا توجد نتائجه في مقدماته وعكس حتى المنطق الحسي أو التجريبي الذي أسس في أصول الفقه الإسلامي، والخاصية الرابعة أنه منطق جامد وسكوني لأنه مؤطر بالمقولات العشر، والمقولة كلمة واحدة، فالمنطق اليوناني يتعامل مع الواقع من خلال عشر مقولات لا يستطيع العقل البشري أن يتجاوزها، وهذه المقولات واحدة منها جوهر وتسعة أعراض، يقول فيها الناظم : “زيد الطويل الأزرق ابن مالك، في بيته بالأمس كان متكي، بيده غصن لواه فالتوى، فهذه عشر مقولات سوى”؛ فزيد جوهر والجوهر هو الشيء الذي يقوم بنفسه ولا يحتاج لغيره ليحمله، أما الأعرض فهي الطويل “الكم”، الأزرق “الكيف”، ابن مالك “الإضافة”، في بيته “الأين”، بالأمس “متى”، متكي “الوضع = الهيئة”، بيده “الملك”، غصن لواه “الفعل”، فالتوى “الإنفعال”، فهذه عشر مقولات سوى. إذن هذه خصائص المنطق اليوناني المؤطر للعقلية اليونانية، وهذه هي الفلسفة اليونانية التي اختار لها بنو العباس مهارة التراجمة وفرضت على الناس. لذلك فقبل الدخول إلى الإسلام سأبدي مجموعة من الملاحظات؛ أولها ان الفلاسفة المسلمين “الكندي، الفرابي، ابن باجة، ابن طفيل…” كانوا قريبين من النظم السياسية ولم يكن أي منهم في إطار المعارضة السياسية، هؤلاء يقول فيهم المؤرخ الشرهستاني في كتابه “الملل والنحل” لقد سلكوا كلهم مسلك ارسطاليس فيما ذهب إليه وانفرد به سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين. ثانيها مسألة أثارت اللغط، ف”ابن الصلاح” في فتاويه وهو يتكلم عن هذه الفلسفة قال “الفلسفة أس السفه والظلال والمنطق مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر”، فأي فلسفة يتحدث عنها ابن الصلاح إنها فلسفة اليونان ومنطقها الذي غزاه في عقر داره، ولذلك تموقف منها، ومن حقه، ف”علي سامي النشار” عندما قال “من تمنطق تزندق”، فهذا معناه تناقض المنطق اليوناني مع المنطق الحسي التجريبي الإسلامي، والسؤال المطروح هل الفلسفة اليونانية تفكير عقلاني ؟. قبل الإجابة عن هذا السؤال وجب تحديد معنى العقلانية؛ فهذه الأخيرة يجب أن يتوفر فيها شرطان؛ وهما أن تكون صياغتها صياغة علمية وبنيت بناء منطقيا، وأن تتخذ مصداقيتها من خلال تصور المعرفة العلمية، لذلك يقول “غاستون باشلار”: “الفلسفة تتحدد في علاقتها مع العلم”. ثم لماذا أعبنا على ابن الصلاح ما قال به، ولم نعب على “أوكست كونت” عندما قال “ينبغي حذف الفلسفة من مجال التفكير”؟، لأن الفلسفة تبدأ حينما ينتهي العلم، وما يمكن أن تأتي به الفلسفة فيمكن للعلوم الجزئية أن تأتي بأفضل منه، فإن كان للفلسفة من دور فهو تنظيم نتائج العلم، فلماذا تقبلنا كلامه ؟، هل لأن اسمه أوكست كونت والآخر اسمه ابن الصلاح ؟، ولماذا لم نعب على “كارل ماركس” في كتابه “فلسفة البؤس” ردا على “برودون” “فلسفة البؤس” ؟ ؛ بمعنى يجب احترام أفكار وتصورات الآخر وجعله يعبر عنها شريطة احترامها للمعايير العلمية. ثالثها هي أن ترجمة الفلسفة اليونانية تمت باشراف مباشر من لدن السلطة العباسية، وأن المترجمين كلهم كانوا مسيحيين وليس بينهم مسلم واحد، كذلك أبو حامد الغزالي وجه ضربة لعلوم المسلمين من حيث لا يدري عندما أدخل المنطق الأرسطي على علوم المسلمين ومنعها من الإبتكار، لأن المنطق الإسلامي حسي تجريبي وليس ميتافيزيقي. رابعها هي أن العلوم الإسلامية التي تمثل ابداع المسلمين قامت كلها بمجهودات شخصية؛ مثلا “سيبويه والفراهدي وعلماء اللغة والفقه والحديث والتفسير والطبيعيات والرياضيات…” لم يعطيهم شخص فلسا واحد، في حين أن العلوم التي جند لها بنو العباس أموالا طائلة ومهرة التراجمة أكل عليها الزمان. خامسها وهي أن الإسلام جاء بمسألة صياغة الأمة من خلال الكتاب وليس من خلال تأملات ميتافيزيقية.
إن الفكر الإسلامي يرفض التفكير الميتافيزيقي، إذ يقول أنس بن مالك “أنا لا أتكلم في شيء ليس تحته عمل، أنا أتكلم في أحوال الناس ومعاملاتهم “، وعندما سأله شخص كيف استوى الله على العرش؟ فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، أظنك رجل سوء أخرجوه عني، سيقول البعض لماذا هذا الفقيه المتزمت لا يدخل معه في حوار تواصلي مع هذا الشخص ويقنعه بمصداقية قوله ؟، لنعد إلى “امانويل كانط” الذي طرح سؤال لماذا العقل البشري نجح في ميدان الطبيعة والتجربة وفشل في ميدان الميتافيزيقا ؟، فالحضارة المادية نتاج لتأمل العقل في الطبيعة وليس الميتافيزقا، فأحمد بن حنبل سئل ما رأيك في القرآن، فأجاب إنه كلام الله لا أزيد عليه شيئا. هذه كلها مجموعة من الملاحظات التي وددت تسجيلها. والآن سأنتقل إلى الأسباب التي دعت إلى ترجمة الفلسفة اليونانية؛ السبب الأول، فمع بداية ظهور الدولة الأموية بدأ النقاش يحتدم حول الخلافة فأصبح كل واحد في حاجة إلى الأداة الجدلية، السبب الثاني فمع ظهور الدولة الأموية ظهرت فرقة مترفة اتخذت الترف سيرة لحياتها فلابد لها من مسوغ ايديولوجي لتبرير هذه التصرفات، لأن الفلسفة اليونانية لا تتدخل في الحياة الشخصية للأفراد، السبب الثالث فمع بداية بني أمية انقسم المسلمين إلى فرق، الفرقة التي تسير في خط النبوة، والفرقة المنعزلة، والفئة الحاكمة، فأحسوا بضعف فأرادت كل فرقة الدفاع عن مواقفها وهدم مواقف الفرق الأخرى، والسبب الخامس فمع مجيئ الدولة العباسية جاءت بأفكار جديدة، من خلال مراسلتهم لملك الروم بإرسال علوم الأوائل فأرسلها اليها، فاختارت لها مهرة التراجم فأجبر الناس على قراءتها ونشرها. لكن “عبد الرحمان بن خلدون” له رأي آخر، يقول “إن المأمون نشأ كتلميذ لأحد المعتزلة وهو يحيى بن المبارك اليزيدي كما أنه صديق لتمام بن الأشرس في مذهب الاعتزال قرب إليه بعض الشيوخ المعتزلة وقال قولا لم يستطع أحد الجرأة عليه وهو القول بخلق القرآن وهو ما لم يقنع به الناس فسلك مسلك سفك الدماء وفعل فيهم ما فعل”. إذن، عموما هناك سببين لترجمة الفلسفة؛ الأول ايديولوجي والثاني دفاعي. هذا الصراع الذي شهده الفكر في بلاد المشرق العربي، لم يشهده بلاد المغرب الأقصى بالحدة نفسها، فمع ظهور دولة الموحدين التي قامت على أنقاض دولة المرابطين التي كانت تتغذى على سلطة فقهاء الفروع، الذين قال فيهم أحد الشعراء “ملكتم الدنيا بمذهب مالك وقسمتم الأموال لإبن القاسمي….إلخ”، ولكن “المهدي بن تومرت” هو من وضع دعائمها السياسية والإيديولوجية في كتابه “أعز ما يطلب”، وقارئ كتابه سيجده كله يستند على مبادئ واقاويل المعتزلة، يقول عبد “الواحد المراكشي” في كتابه “معجم أخبار المغرب” أن ابن طفيل استدعى ابن رشد في يوم من الأيام، وقال له سمعت أمير المؤمنين يشتكي قلق عبار ارسطاليس اي أن الأمير الموحدي يتعاطى التفكير الفلسفي بحجة أنه يشتكي قلق العبارة، فما معنى قلق العبارة ؟، العبارة القلقة هي العبارة المبهمة والمشوشة، نجد في ذلك الحوار الذي سجله أبو التوحيدي يقول إن المعاني لا تستقيم في الأذهان إلا باستقامة الألفاظ، ولذلك عندما اشتكى الأمير الموحدي أبي يعقوب قلق العبارة، سمعته يقول لو تصدى لهذه الكتب من يقرب معانيها لتسهل مآخذها على الناس، ويقول ابن طفيل لإبن رشد فعليك أن تنصرف لهذا الأمر، وهذا ما جعل ابن رشد يقول هذا ما دفعني إلى تلخيص كتب أرسطاليس، لذلك فتعاطي ابن رشد للفلسفة كان بإشارة من الأمير الموحدي ابي يعقوب يوسف بن عبد المومن بن علي الغومي، وليس من تلقاء نفسه، يقول عبد الواحد المراكشي كذلك حاكيا عن أحد تلامذة ابن رشد، سمعت الحكيم أبا الوليد يقول غير ما مرة دخلت على أمير المؤمنين فوجدت عنده ابن طفيل ولا أعلم ما قرره ابن طفيل مع الأمير في شأني، فتحدث ابن طفيل عني وذكر نسبي بشيء لا أستحقه، ثم سألني أمير المؤمنين عن نسبي، ثم قال لي ماذا يقولون في السماء، هل هي حادثة أم قديمة ؟، بمعنى الفلاسفة، فقد سأله سؤالا كان هو شاغل الناس، وقد كان هذا سببا في كتابة ابن رشد كتابه “تهافت التهافت” ردا عن “تهافت الفلاسفة” للغزالي، فقال ابن رشد أخذني الحياء والضعف ثم لزمت الصمت، وبعد ذلك لما تفطن أمير المؤمنين بذلك، بدأ يتحدث ويشرح أقاويل الفلاسفة وكأنه يقول قولا لا يقوله المشتغلين بها، وهنا علاقة الفلسفة بالسلطة وهي علاقة ايديولوجية، في دفاعها عن قضايا ما، ولذلك نكبة ابن رشد لم تكن نكبة على أساس ديني، لأن دولة الموحدين دولة سلطة العقل لا الفقهاء، اي دولة الفلسفة، لذلك كانت النكبة سياسية، حيث تناحر أبناء الأمير، فانتصر ابن رشد للمغلوب، فلما هزم المغلوب انتقم الغالب من ابن رشد، وفي الأخير عفى عنه وتركه.
هذا تلخيص عام لعلاقة الفلسفة بالدولة، عند كل من الدولتين العباسية والموحدية، وليكن في علمكم أن معظم الفلاسفة كانوا قريبين من النظم السياسية. والآن إذا قررنا التعامل مع واقعنا الحالي ومع الآخر، فإننا يجب أن نعلم أن تعامل أجدادنا مع الآخر كان تعامل تقليد لا إبداع، إعادة انتاج لا انتاج. أضف إلى ذلك أن أوربا قبل أوربا في نهضتها طرحت سؤال كيف ننهض ؟، فأجاب “فرنسيس بيكون” بالتجريب والعلم نسيطر على العالم، فلا يمكن لأي نهضة اقتصادية ان تتم بدون قاعدة علمية، ولذلك فكيف نتعامل مع الآخر ؟، يرى “جون بياجي” أنه لكي نتعامل مع الآخر لابد أن تكون لدينا بنيات عقلية سابقة، منظومة مرجعية أو منظومة اسناد نتكئ عليها من أجل الحوار، فكل أمة لا تفكر بعقلها ولا تعترف بذاتها لا يمكن ان تعيش تحت ضوء الشمس.
– وبعد إنهاء الأستاذ الباحث ابراهيم الناية لمداخلته المركزة والعميقة، فتح مسير الندوة باب المناقشة للحضور الكرام؛ أساتذة وتلاميذ، حيث تركزت غالبية المداخلات وفي جملتها حول أهمية الفلسفة واستمرارها كايديولوجيا في الفترتين الحديثة والمعاصرة، وول الفكر الإسلامي، وكذلك صعوبة التأريخ للمرحلة الوسيطة في بلاد المسلمين، نظرا للخليط المركب الذي ميزها، من تقدم وتراجع في الوقت نفسه. لتعطى الكلمة من جديد للأستاذ الباحث ابراهيم الناية، الذي تفاعل مع مداخلات الحضور الكريم، مشيرا إلى أن مداخلته تهم الفلسفة اليونانية وكيف تحولت إلى إيديولوجية في الدولة الأموية والعباسية والموحدية للدفاع عن مصالح معينة، وليس الفترة الحديثة أو المعاصرة. مبينا خطورة الإيدويولوجية أي مجموع الأفكار والتصورات التي يتبناه فرد أو جماعة أو مؤسسة ما، والتي يتم النظر من خلالها إلى الإنسان والعالم، وهذه الإيديولوجية تصدر غالبا عن الطبقة المهيمنة التي تمررها عبر مجموعة من القنوات. إذن فالفكر اليوناني حاول بني العباس والموحدين تمريره لمواجهة خصوم معينين من جهة، ومن جهة أخرى الفلسفة اليونانية لا تتدخل في حياة الأشخاص.
وفي آخر المحاضرة، تم توزيع الشواهد التقديرية من قبل النادي المستضيف (نادي الفلسفة والتربية على القيم) على ممثلي باقي الأندية المشاركة وكذلك السيد ابراهيم الناية، على المجهودات المبذولة لإنجاح هذا النشاط. ليسدل الستار بحفل شاي نظمه النادي المستضيف على شرف الحضور.

IMG-20180106-WA0090 IMG-20180106-WA0089 IMG-20180106-WA0088 IMG-20180106-WA0091 IMG-20180106-WA0086 IMG-20180106-WA0087 IMG-20180106-WA0085

مقالات ذات صلة