مقالات

الكرطية….إهمال ام إذلال

 مشهد يتكرر أخر كل شهر..ألاف الصحراويين ينتظرون دورهم من اجل قبض راتب الكرطية..دراهم معدودات

نساء شاحبات تقفن بتسليم اخرس ذليل..شيخ مسن أعياه الوقوف فانزلق مثل سمكة جريحة قرب الحائط..شاب يقف بزهو طاووس في انتظار مبلغ بالكاد يستطيع تغطية مصاريف ما يرتديه..رجال يكادون يتفجرون انتظارا..و آخرون بوجوه يملؤها الحزن و الشعور باللاجدوى..يهزون رؤوسهم مثل أطفال مذنبين في انتظار مبلغ زهيد أنفقوه حتى قبل أن يحصلوا عليه.

لوحة امتزجت فيها الألوان..لا يستطيع حتى أوسع الفنانين خيالا رسمها..و رسمها السياسيون و السياسة في هذا البلد المحزون.

بطاقة الانعاش او  نظام التقطير

 خلف كل تلك المشاهد..تبدأ حياة أخرى..الصحراء كلها تنام و تفيق على موعد الكرطية..تجارها و أسواقها و حتى سيارات الأجرة فيها..تسري فيها عربدة مجنونة..حركة عمياء سريعة مثل حيوان قطبي يستفيق من سباته الشتوي..تتخلى عن الكثير من عبوسها و غموضها..تعج مساريها بالحركة في الأسبوع الأول من كل شهر.

مدن ليس لها من الشهر إلا بضع سنابل خضر و باقي الأيام كلها يابسات..مدن لا تتنفس إلا على الكرطية و لا يحيا اقتصادها إلا بها.يبدو الأمر مثل مريض في المشفى يعطى له ” سويرو” لإبقائه حيا و ليس لعلاجه.

هي مثل نظام التقطير إذن..يسمونها الإنعاش و في ذلك اعتراف أن الوضعية في الصحراء يصيبها الإغماء لكنهم يصرون على إنعاشها فقط و ليس على علاجها.

وهم التنمية

  الذي خبر  مدن الجنوب  أواخر السبعينات و بداية الثمانينات  سيطرح السؤال المعروف  : أية  تنمية؟ ما الذي تغير في الصحراء؟  

لم يتغير أي شيء ..مازال اكثر من نصف فتياتنا محرومات من التعليم الجامعي لان عائلاتهن ترفض السماح لهن بالتغرب فإقليم الصحراء على كبره بدون كلية.

مازال أهل الصحراء لم يروا بعد قطارا في حياتهم إلا من حالفة الحظ و سافر للعلاج آو الدراسة.

لم تزل الصحراء معزولة بدون طرق سيارة و لا حتى طريق جيدة و الطريق الوحيدة المتوفرة مثل الصراط لا يزيغ عنها إلا هالك.

لا تزال البطالة تأكل شبابنا و كوادرنا لأنه لا مشاريع حقيقية أنجزت و من لم يحظ بوظيفة عمومية سيقتله الغيظ و النسيان  على جنبات المقاهي.

لا تزال الصحراء مثل المنفى..كل مسؤول فشل في الشمال أو ارتكب أخطاء مهنية يرسلونه إلينا..يعاقبونه و يعاقبوننا أيضا من حيث يدرون أو لا يدرون.

مازلنا في الصحراء لا نعرف الفرق بين المستشفى و المشرحة..فكلاهما يؤدي إلى المقبرة .

و لا تزال كاميرات الإعلام الرسمي تختزل العيون في صورة “ساحة المشور”  ..و الداخلة في ساحة الامل ..دليل يقدمونه على انجازات الدولة..رمز للتنمية بالنسبة لهم..تنمية بوجه آخر لا يعرفه ألا من زار هذه الساحة حين المساء ليقف على الانحلال الأخلاقي الذي يجتاحها..تلك هي التنمية التي تحدث الفارق.

 الذي جنا على التنمية في الصحراء هو سياسة  ينهجها الإعلام الرسمي و المسؤولون في هذا البلد..سياسة ( العيون قبل قليل). نذكر جميعا ما تظهره القناة الجهوية بعد كل أحداث دامية أو مظاهرات تعرفها العيون..صور قديمة بموسيقى جميلة و تعليق بالخط العريض ” هذه الصور التقطتها القناة للعيون قبل قليل”.

إنها سياسة المونطاج التي ينتهجها المسؤولون في صياغة تقاريرهم.

  و إلى أن يحالفنا الحظ و يلتقطوا صورا واقعية سنردد مع الشاعر الراحل” امل دنقل ” بعضا من أبيات من قصيدته ” الجنوبي” :

هل تريد بعض الصبر؟

لا

فالجنوبي يا سيدي يشتهي ان يكون الذي

لم يكنه

يشتهي ان يلاقي اثنتين

الحقيقة..و الأوجه الغائبة.  

[ad id=”2275″]


مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تتعدد أسامي المبادرات لإنعاش الصحراء و الصحراويين ألم يإن الوقت ليقف المسؤولون عن هذا البلد لوضع حصيلة و مناقشة مشكل الصحراء و التصالح مع أنفسهم أولا هل الوضع يعكس فعلا ما يروج له الإعلام الرسمي و غير الرسمي للأسف
    المصالحة أصبحت ضرورية إذا كان حكام لا زالو لا يفهمون أن وضع الصحراويين كارثي أكثر من ما هو عليه بمخيمات اللجوء.
    شكرا لكم لإثارت هذا الموضوع.

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!