مقالات

الأرضية الحقوقية: المعركة الجديدة في حروب الصحراء

بقلم سلامة بوشامة باحث في العلوم السياسية.
منذ إعلان وقف إطلاق النار سنة 1991 ووضع نهاية للصراع العسكري بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، دخلت منطقة الصحراء في حالة اللاسلم واللا حرب والدخول في مسلسل طويل للبحث عن تسوية سياسية نهائية للنزاع، لتدخل المنطقة في وضعية حرب جديدة عنوانها البارز الصراع الحقوقي و السياسي بين طرفي النزاع جعل من قضايا حقوق الإنسان واجهة من واجهات الصراع السياسي و العسكري حول إقليم الصحراء.
بلورت أطراف النزاع في حربها الحقوقية والسياسية أرضية مطالب للمواجهة والصراع تختلف من حيث المرجعيات والأهداف و الوسائل , فجبهة البوليساريو تبنت إستراتيجية هجومية قائمة على المطالبة باحترام القانون الدولي والذي بحسب أدبياتها يشكل مبدأ تقرير المصير أحد أهم تجلياته التي يجب احترامها بالمنطقة كما تطالب في هذا السياق باحترام حقوق الإنسان من خلال تبني العديد من الملفات الحقوقية بالمنطقة والترافع حولها دوليا، كملف مجهولي المصير والمعتقلين السياسيين ووقف استغلال الثروات وتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان.
أما الإستراتيجية المغربية في تدبير الصراع الحقوقي والتي يلعب فيها المغرب دور المدافع عن صورته ومصالحه وسياساته بالمنطقة، فتقوم على المطالبة بإطلاق سراح المحتجزين بمخيمات جبهة البوليساريو وتمتيعهم بحقهم في التنقل وبحريتهم في العودة لبلادهم كما يطالب بإحصاء ساكنة المخيمات والكشف عن مآل المساعدات الدولية التي يعتبرها وسيلة للإثراء بلا سبب لقيادة جبهة البوليساريو، كما أن المغرب قام بخطوات عملية تجلت في فتح المنطقة أمام المنظمات الحقوقية الدولية، إنشاء مجالس جهوية لحقوق الإنسان، السماح للجمعيات التابعة تنظيميا لجبهة البوليساريو بالعمل بالمنطقة، ولجوءه إلى المطالبة بحق تقرير مصير شعب القبايل بالجزائر وإثارة قضيتهم بالأمم المتحدة في إطار خطوة استباقية هجومية .
لقد تحولت المسألة الحقوقية إلى واجهة أساسية من واجهات الصراع السياسي بين أطراف النزاع بالصحراء، خاصة وأنها ضمن أولويات المنتظم الدولي، حيث أصبح يخصص لها الأمين العام للأمم المتحدة فقرة غالبا ما تتضمن مرافعات الأطراف ومطالبهم وانجازاتهم على الميدان فيما يخص حقوق الإنسان بالمنطقة ،وذلك في التقارير الدورية الخاصة بإقليم الصحراء التي يرفعها لمجلس الأمن، ويتعلق الأمر بالتقارير الصادرة خلال العقد الأخير، والتي غالبا ما يؤكد من خلالها على عدم اختصاص بعثة المينورسو بالموضوع.
التحولات الاجتماعية والحقوقية و السياسية بالأقاليم الصحراوية
عرف المجتمع المحلي بالأقاليم الصحراوية تحولات مهمة في بنياته الاجتماعية ساهمت في بروز ظواهر اجتماعية وسياسية اهمها ظاهرة الاحتجاج، وقد ساهم في هذا التحول عدة سياقات وشروط اجتماعية واقتصادية وسياسية.
السياق الاجتماعي: طالت بنية المجتمع المحلي، الحديث العهد بالاستقرار والتمدن تحولات بنيوية اجتماعية عميقة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال التحول في قيم الاستهلاك ونمط الإنتاج و مختلف العلاقات الاجتماعية، ارتفاع نسبة التمدن والسكان مقارنة بسنوات السبعينات، فقد تضاعفت ساكنة الأقاليم الجنوبية بما قدره 1.7 مرة في مدى عقدين من الزمن ، عِلمًا أنها أصبحت في المدة ذاتها حضرية في غالبيتها. وقد ارتفعت أعداد هذه ال ساكنة بمانسبته 3 بالمائة ما بين 2004 و 2012 . أما الناتج الداخلي الخام للجهات الجنوبية الثلاث، فقد بلغ في 2010 ما يناهز 33.2 مليار درهم، أي ما يمثل 4.3 بالمائة من الثروة الوطنية المُنتجة سنويًا. أما المصاريف التي تم إنفاقها محليًا للاستهلاك النهائي للأ سر فبلغت 15.9مليار درهم في 2010 أي بن سبة 3.6 بالمائة من مجموع النفقات الاستهلاكية للأسر في المملكة . ارتفاع نسبة خريجي الجامعات وارتفاع نسبة البطالة، حوالي 20 في المائة حسب الإحصائيات الرسمية، فالتحولات الاجتماعية التي عرفتها المنطقة خلقت أعباء اجتماعية جديدة ومتطلبات متصاعدة وملحة لم يعهدها المجتمع المحلي من قبل.غير أن السياسة الاجتماعية المعتمدة ذات طبيعة إشكالية على ثلاثة مستويات: فالإنفاق لا يستفاد منه استفادة قصوى ولا يخضع للمراقبة والمحاسبة ، وهو لا يحظى بدعم المواطنين ورضاهم لكونه يشكو من ضعف في الاستهداف، كما أنه لا يشجع على الاستقلالية واتخاذ المبادرة .
السياق الاقتصادي: يتميز النشاط الاقتصادي بالمدن الصحراوية بالضعف و الهشاشة نتيجة عوامل بنيوية ارتبطت بسياسة الدولة بالمنطقة منذ 1975 والرامية إلى تحقيق الاستقرار والأمن كان من نتائجها إفراز فئات مستفيدة بشكل كبير و أخرى محرومة من خيرات الحقل الاقتصادي و الثروة المحلية والوطنية، فرغم كل المجهودات المبذولة من طرف الدولة ظل الإدماج الاقتصادي والاجتماعي لساكنة الأقاليم الجنوبية ضعيفا بسبب تنامي ديمغرافي سريع لأقاليم الجنوب نتيجة عوامل جانبية صنف منها حقيقي ويتعلق بالاستثمارات العمومية والصنف الثاني مصطنع ويتمتل في نظام الامتيازات الموضوع من طرف الدولة والذي أصبحت تتحكم في تدبيره سلوكات الزبونية والولاءات المختلفة بعيدا عن أي منطق للاستحقاق والشفافية ، الشئ الذي أدى إلى إنتاج أجيال مستاءة و بيئة مواتية وخصبة لظهور خطاب الاحتجاج على الدولة بسبب سياساتها الريعية القائمة على شراء الولاءات والذمم، فرغم تحسن مجمل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بنسب تفوق المعدل الوطني، يبقى المناخ الاجتماعي متوترا داخل الأقاليم الجنوبية، وتعتريه من حين لآخر احتجاجات المواطنين وتأخذ طابعا احتجاجيا عنيفا في غالب الاحيان
السياق السياسي: شكل التوظيف السياسي لنزاع الصحراء أرضية خصبة لتأجيج الوضع الداخلي للأقاليم الصحراوية، فمنذ وقف إطلاق النار اعتمدت جبهة البوليساريو على سياسة دعائية تحريضية ضد المغرب تهدف الى خلق جبهة داخلية مساندة ومحتضنة لأطروحتها من خلال الاستغلال السياسي لمختلف المطالب الاقتصادية والاجتماعية للحركات الاحتجاجية.
ويمكن رصد أحداث احتجاجية كبرى طبعت السيرورة التاريخية للأقاليم الصحراوية مع بداية عقد التسعينيات بالقرن الماضي، وأهم حدث احتجاجي يمكن تسجيله في هذه المرحلة هو احتجاجات مدينة أسا سنة 1992، والتي شكلت بداية تنفيذ المخطط الاستراتيجي لجبهة البوليساريو القائم على خلق جبهة داخلية موالية من خارج أراضي النزاع مستغلة بذلك الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية الهشة وقصور السياسات العمومية المتبعة من طرف الدولة ( خصوصا من داخل الأراضي الصحراوية الغير المتنازع حولها) .
وقد ساهم في الفعل الاحتجاجي نشطاء مناصرين لأطروحات جبهة البوليساريو ومجسدين لتوجهاتها بداخل الأقاليم الصحراوية، وهم مجموعة من المعتقلين السياسيين السابقين المفرج عنهم( الطلبة , معتقلين سياسيين)، وقد بدأ الاشتغال الأول لهذه الفئة من داخل الإطارات الحقوقية المغربية خاصة منتدى الحقيقة والإنصاف قبل أن يؤسسوا مجموعة من الهيئات الحقوقية الصحراوية الخاصة بهم كالجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان.
ساهمت الاختيارات الحقوقية والديمقراطية للمغرب مع وصول الملك محمد السادس إلى سدة الحكم في توسيع دائرة الحقوق والحريات وممارستها مما ستشهد معه الأقاليم الصحراوية انفتاحا كبيرا على جميع الأصعدة، كان له الأثر وما زال في تبلور الاحتجاج بصيغته الراهنة، لتشهد أحداث احتجاجية كبرى:
سنة 1999: تعد الاحتجاجات التي أعقبت التدخل الأمني لفض اعتصام مجموعة من الطلبة والمعطلين من أمام مقر ولاية العيون مقدمة للفعل الاحتجاجي الذي ستعرفه الصحراء فيما بعد، وقد كانت مطالب المعتصمين اجتماعية تدخلت الدولة فيما بعد لتلبيتها وهو ما جسده الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء.
مايو 2005: تميزت الاحتجاجات التي عمت مدينة العيون خلال شهر ماي من سنة 2005 عن سابقتها بمستوى التنظيم والتوجيه والتوثيق الذي قاده مجموعة من الأشخاص المحسوبين تنظيميا على جبهة البوليساريو، وأخذت مسار المواجهة المباشرة بين المحتجين والقوات العمومية، وقد وسمت احتجاجات هذه الفترة بارتفاع في منسوب العنف، ساهمت فيه دعاية البوليساريو ومشاريعها الممنهجة من خلال ما أطلقت عليه “انتفاضة الاستقلال” و”حرب الأعلام الوطنية”
أكتوبر 2010: وهي الاحتجاجات التي عرفت باحتجاجات مخيم اكديم ازيك( المطالب الاجتماعية والحلول السياسية و الأمنية )، تميزت بنزوح جماعي لمجموعة من المواطنيين خارج المدار الحضري وبنائهم لحوالي عشرة آلاف خيمة ورفعهم لمطالب ذات طبيعة اجتماعية تتمثل بشكل رئيسي في التشغيل (بحسب تقرير اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق حول أحداث العيون )، انتهى هذا المخيم بتفريقه من طرف القوات العمومية المغربية التي سقط بعض عناصرها قتلى بسبب المواجهات العنيفة مع المعتصمين بالمخيم. واعتقال مجموعة من الافراد فيما بات يعرف بمعتقلي اكديم ازيك اللذين يحاكمون على خلفية احداث المخيم المذكور
آليات المواجهة الحقوقية بين المغرب وجبهة البوليساريو.
الإطارات الحقوقية الموالية لجبهة البوليساريو وسياسة تدويل الملف الحقوقي
تخوض جبهة البوليزاريو حربا حقوقية لدعم أطروحتها الداعية إلى انفصال الصحراء عن المغرب وإقامة دولة مستقلة عليها، وتتمحور هذه الأوراق حول حقوق الإنسان والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الدولة المغربية خلال العقود الماضية، وتعتمد في معاركها الحقوقية تكتيكات واستراتيجيات تنظيمية ودعائية تروم الدفع بالحركة الاحتجاجية في الفضاء العام. ومن بين هاته التنظيمات التي تشتغل بالحقل الحقوقي وترتبط تنظيميا بها نجد:
تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان
تجمع أولياء المعتقلين والمفقودين الصحراويين
الجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
حماية الثروات الطبيعية
حماية المآثر التاريخية
المنتدى الصحراوي لحماية الطفولة
المرصد الصحراوي للطفل والمرأة
وتعمل جبهة البوليساريو على حشد الدعم لأطروحتها من خلال ربط الاتصال بالمنظمات والهيئات الدولية غير الحكومية وإنشاء جمعيات للصداقة معها للمرافعة من أجلها خاصة في الدول الأوربية والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية والإفريقية، كما تعمل على تعبئة وفود برلمانية وسياسية ونشطاء أجانب لزيارة الأقاليم الصحراوية وكذا استقطاب وفود من هذه الأقاليم لزيارة المخيمات في إطار أنشطة مختلفة تهدف إلى حشد الدعم والتأييد السياسي من زاوية حقوقية .
وتتمحور الحرب الحقوقية لجبهة البوليساريو حول السعي إلى كسب التعاطف الدولي و التأييد الشعبي لها داخل أوساط المنظمات الدولية الحقوقية و الجمعيات المدنية الأجنبية والضغط على المغرب و استصدار قرارات دولية داعمة لجبهة البوليساريو وذلك في إطار عملية استنزاف للدفع بتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، ووضع الثروات الطبيعية في الأقاليم الصحراوية تحت المراقبة والإدارة الدولية.
فقد تمت عملية تدويل مطلب توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، فتحول من مطلب ترفعه بعض مكاتب الدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض المنظمات غير الحكومية الدولية، إلى مطلب وضع على أجندة بعض الدول وفي أروقة الأمم المتحدة، سواء من خلال تقرير السيد خوان مانديز المقرر المعني بمسألة مناهضة التعذيب سنة 2012 ، والذي طالب بإنشاء آلية بيحكومية إقليمية في المنطقة تتولى مهمة المراقبة، أو من خلال الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2012 في التسوية 63 المقدمة من قبل دولة كوستاريكا، والتي رفضها المغرب باعتبار أن مجلس حقوق الإنسان غير معني بهذا الملف المتداول وفق الباب السادس أمام مجلس الأمن، أو من خلال مشروع توصية سبق وأن تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية بمناسبة تجديد ولاية البعثة في المنطقة قبل ان تسحبه بفعل الضغط الدبلوماسي المغربي، إلا أن هذه المعركة لم تنتهي فقد اصدر الاتحاد الأوربي توصية بهذا الشأن، كما نجد تقارير وقرارات الاتحاد الإفريقي الذي يقاطعه المغرب تنحوا المنحى نفسه بالمطالبة بتوسيع صلاحيات المينورسو.
أما بخصوص موضوع الثروات الطبيعية، فلازالت جبهة البوليساريو تضغط في اتجاه عزل منطقة الصحراء عن أي اتفاق اقتصادي بين المغرب وشركائه الاقتصاديين، كما هو الشأن بالنسبة للاتحاد الأوربي، الذي أصدرت محكمته قرارا في العاشر من دجنبر سنة 2015، والقاضي بإلغاء الاتفاق المتعلق بإجراءات التحرير المتبادل في مجال المنتجات الفلاحية والمنتجات الفلاحية المحولة ومنتجات الصيد البحري، حيث استأنف الاتحاد الأوروبي قرار المحكمة .
وتبقى هذه المطالب والتحركات تكتيكات مرحلية لتحقيق الأبعاد الإستراتيجية آخر في المستقبل، غايتها عزل المغرب في الزاوية وجعله منشغل بقضايا هامشية يعتقد أنها ذات أهمية، ويتفاعل معها من خلال مزيدا من التطور الحقوقي والتنازلات السياسية.
وتبقى الأهداف غير المعلنة، هي الاستمرار في اعمار المناطق الواقعة شرق الحزام الأمني والتي تطلق عليها جبهة البوليساريو اسم “الأراضي المحررة”، وتقيم بها أنشطة عسكرية وسياسية، وخاصة بمنطقة تيفاريتي. والتي تركتها القوات المسلحة الملكية إبان الحرب منطقة عازلة عن الأراضي الجزائرية ومجالا للمناورة الحربية كي لا تصطدم مع قوات البوليساريو في الأراضي الجزائرية، وهو ما يستنتج من تأسيس البوليساريو في جمهوريتها لوزارة تحمل اسم “وزارة البناء واعمار الأرض المحررة”، وتروم عملية الإعمار التي تنوي جبهة البوليساريو الاستمرار فيها إلى استكمال المقومات القانونية للدولة للمطالبة بالعضوية بالجمعية العامة للأمم المتحدة.
ونجد تقرير الأمين العام، المؤرخ في أبريل 2015، يصف هذه التطورات في فقرته الثانية عشرة حيث جاء فيها: ” لاحظت البعثة في الجانب الشرقي من الجدار الرملي، بالناحية الشمالية الشرقية من الصحراء الغربية زيادة في الأنشطة المدنية وأعمال تشييد البنيات التحتية المحلية في ست قرى، مما يعكس بوضوح البرنامج الذي أقره “المجلس الوطني الصحراوي” في نيسان/أبريل2014، من أجل “توطيد ممارسة السيادة في الأقاليم المحررة”. وبدأت مناطق عديدة هجر جزء كبير منها في عام 1976، تشهد حاليا عودة السكان الأصليين إليها من مخيمات اللاجئين، ولا سيما أثناء اعتدال الطقس في فصل الصيف. غير أن العديد من المناطق التي تشهد أنشطة إنمائية أولية ما زالت تحتوي على كمية كبيرة من الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب، مما يحد من إمكانية تحقيق المزيد من النمو ويقلص مصادر الرزق ويعرض السكان للخطر”.
وفي السياق ذاته فإن جبهة البوليساريو تشن حرب نشيطة لتجريم الحزام الأمني معتبرة إياه “جدارا للفصل العنصري” يقسم السكان الصحراويين ويمنعهم من حقهم في الحركة والتنقل، وذلك من خلال استقدام وفود أجنبية وتنظيم مظاهرات بالقرب منه، ورفع مطالبها بشأنه للمنظمات الدولية، ونجد لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد قدمت تقرير بتاريخ 22 أكتوبر 2015، وعنونة فقرته السابعة ب”الجدار الرملي” وجاء فيها ما يلي: “تحيط اللجنة علما بالهاجس الأمني الذي أشارت إليه الدولة الطرف لكنها تشعر بقلق بالغ لأن الجدار الرملي المحصن بالألغام المضادة للأفراد الذي أقامته الدولة الطرف بين الأراضي الخاضعة لسيطرة المغرب من إقليم الصحراء الغربية وبقية الإقليم يحول دون تمتع الشعب الصحراوي كليا بحقوقه المكرسة في العهد”. وتضيف في الفقرة الثامنة: “توصي اللجنة الدولة الطرف باتخاذ التدابير المناسبة لتمكين الشعب الصحراوي من الوصول بحرية إلى أراضيه وموارده الطبيعية ولم شمل أبنائه. وتوصي اللجنة الدولة الطرف بتسريع وتيرة برنامج إزالة الألغام من الجدار الرملي. وتطلب اللجنة إلى الدولة الطرف أن تقدم في تقريرها الدوري المقبل معلومات مفصلة عن تمتع الصحراويين بكافة حقوقهم المكرسة في العهد”.
السياسة الحقوقية للمملكة المغربية
عرف المغرب انفراجا سياسيا مع وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، سمح ببروز تيارات حقوقية ونقابية بالمنطقة شكلت دينامية للاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، سيحاول المغرب القطيعة مع سنوات الرصاص الموسومة بانتهاكات لحقوق الإنسان، من خلال تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة في خطوة رسمية تروم إعادة تشكيل العلاقة ما بين المجتمع والسلطة، وقد واكب ذلك مجموعة من الإجراءات القانونية والمؤسساتية والسياسية، ليعرف المغرب نسبيا تطورا في الحريات والحقوق المضمونة للأفراد.
واجه المغرب الحرب الحقوقية بتحولات في مجال حقوق الإنسان التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية، في محاولة لافقاد البوليساريو القدرة على المناورة، دون تجاهل بعض المكاسب التي حققتها جبهة البوليساريو. (قرار توسيع صلاحيات المينورسو)
وقد نهج المغرب سياسة الانفتاح وغض الطرف من خلال السماح لمجموعة من النشطاء التابعين لجبهة البوليساريو، وفتح المنطقة أمام بعض الوفود الدولية، والترخيص لتنظيمات حقوقية تابعة لجبهة البوليساريو بالاشتغال بالمنطقة. كالاعتراف المغربي الرسمي للجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف الدولة المغربية (ASVDH)، في التسجيل طبقا للقانون المغربي، واشتراط عقد تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان للجمع العام قبل الحصول على وصل الإيداع، والمغرب بهذا الاعتراف يقر الحق للصحراويين في تأسيس وإنشاء المنظمات المدنية والأهلية، في أفق المرافعة عن حقهم في تأسيس الإطارات والتنظيمات السياسية وهو ما شكل تحولا نوعيا استراتيجيا للمغرب في تعاطيه مع المسالة الحقوقية بالصحراء .
غير أن الملاحظ هو استمرار المملكة المغربية في تبني سياسة حقوقية دفاعية غالب الأحيان، نتيجة كونها تتفاعل مع مستجدات الساحة الدولية و تحركات جبهة البوليساريو المرنة، وكونها حبيسة منطق رد الفعل ، دون أن تكون آلية من آليات تدبير الملف وفق رؤية إستراتيجية ينخرط فيها مختلف الفاعلين والمتدخلين الرسميين وغير الرسميين.

الجزء الأول

[ad id=”11462″]

مقالات ذات صلة

error: Content is protected !!