أخبارمقالات

نخب الصحراء وأزمة الهوية

مالجديد الذي جاء به برلمانيوا الصحراء وأعيانها حول التوغلات العسكرية للبوليساريو بمنطقة تفاريتي حتى يثار ضدهم كل ذلك الكم الهائل من الإنتقادات ؟
هل هي دعوتهم لإعمار المنطقة وإنشاء عمالات بها ؟ ام هي مطالبتهم الدولة بعدم استبعاد أي خيار متاح حفاظا على الوضع القائم؟
.
مناسبة هذا الكلام هو التفاعل الكثيف خاصة عبر مواقع التواصل الإجتماعي مع خرجات بعض برلمانيي وأعيان الصحراء الداعية إلى الحرب .

يمكن القول أنه وبقدر ماتثيره تطورات قضية الصحراء بين الحين والآخر من تداعيات سياسية إقليمية ودولية، فإنها وبنفس القدر تثير مسألة أخرى غاية في الأهمية تتعلق بالقناعات والمواقف المعلنة والمضمرة لكثير من الصحراويين محليا، فإذا كان ممثلوا الهيآت الرسمية قد عبروا عبر وسائل الإعلام عن رفضهم التام لأي تغييرات للأوضاع شرق الجدار العازل، بل وذهب البعض منهم -كما سبق الذكر- إلى حث الدولة على عدم استبعاد اي سيناريوهات للرد ميدانيا بما في ذلك الرد العسكري، فإن بعض الأصوات خاصة من النخب استهجنت قرع طبول الحرب من الجانب المغربي لأي سبب كان، هذا الطرح المنحاز للحل السلمي كما يبدو يمكن قبوله مبدئيا لو أنه يوجه أيضا للطرف الآخر الذي لطالما هدد بإستمرار بالعودة لحمل السلاح منذ إعلان وقف إطلاق النار بداية تسعينات القرن الماضي .

الحقيقة أن هذا الوضع يكشف عن حالة نفسية جد معقدة تعيشها فئات عريضة من المجتمع بالصحراء والتي تختار التموقع في منطقة رمادية وضبابية المعالم، ليس جنوحا للحياد طبعا ولكن تحقيقا لغايات ومآرب متعددة أبسطها عدم خسارة علاقات شخصية واجتماعية على الجانبين وأقصاها التوجس من مستقبل غامض ومفتوح على كل الإحتمالات وبالتالي يكون الصمت ضمانا لتأمين تموقع مريح في كل الظروف ووفق أي متغيرات .

لذلك وعلى العكس مما هو متداول بأن أنظمة دول المنطقة هي المستفيد الوحيد من استمرار النزاع لأسباب استراتيجية وسياسية واقتصادية …، فإن جزءا كبيرا من النسيج الإجتماعي بالصحراء بمختلف تمثلاته القبلية والحزبية والمدنية يستفيد أيضا من حالة اللاحرب واللاسلم واللاغالب واللامغلوب السائدة، ليستمر في اللعب على جميع الحبال، فتكون مواقفه ملتبسة وقابلة لكل القراءات وفي كل الإتجاهات بخصوص الملفات الساخنة بالمنطقة كقضايا المعتقلين السياسيين والعلاقات مع الجوار وتوزيع الثروات…، هذا مع الحفاظ على خيط وصل رفيع مع الجميع وبنفس المسافة سواء عبر الروابط الإجتماعية والقبلية أو عبر الولاءات السياسية والمصالح الأقتصادية، لذلك وفي هذا السياق يبقى الأعيان بما لهم وما عليهم هم الأكثر وضوحا في مواقفهم لأنهم “كاشحين عن روسهم” على حد قول أحدهم.

ولربما يكون من أسباب طول عمر النزاع هذا الغموض المثير الذي يحيط بتوجهات وقناعات قطاع كبير من الرأي العام، والذي أربك حسابات القوى المؤثرة والمتدخلة في النزاع بما في ذلك منظمة الامم المتحدة نفسها، التي توصلت منذ أكثر من عقد ونيف من الزمن أن هذا المجتمع يعيش فعلا أزمة هوية، ورغم إنخراطها الفعلي في ماسمي مسلسل تحديد الهوية إلا أنها عجزت عن الوصول لحل يرضي جميع الأطراف، مما أدى إلى فشل جميع الوساطات والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة واستقالة ثلاثة مبعوثين شخصيين للأمين العام للأمم المتحدة .

بقلم: خالد بوي

مقالات ذات صلة

error: Content is protected !!